RSS
2026-10-23 12:35:51

ابحث في الموقع

على خط الموت.. غرق جديد يجدد جراح الهجرة العراقية الآبدة

على خط الموت.. غرق جديد يجدد جراح الهجرة العراقية الآبدة
بقلم: صادق الازرقي

إن مأساة غرق شقيقين عراقيين في مياه بحر "ايجة" مقابل السواحل اليونانية في أثناء محاولتهما الهجرة غير النظامية نحو أوروبا بحثا عن حياة أفضل، وقبل ذلك الاخبار عن غرق 18 عراقيا قرب السواحل الليبية وحوادث الموت المتكررة في البحار، تعكس وجعا متعمقا ومرارة حقيقية تعيشها أعداد غفيرة من الشباب والعائلات في العراق. هذه الرحلات المرعبة التي تحولت إلى قوارب موت دورية ليست مجرد مغامرة عابرة، بل هي هرب قسري تفرضه حزمة معقدة ومتشابكة من الأزمات.

ومن اهم الاسباب التي تدفع العراقيين لركوب هذه الأخطار، الانسداد الاقتصادي والبطالة المزمنة، اذ يعاني السوق المحلي من عجز هيكلي في استيعاب مئات الآلاف من خريجي الجامعات والمعاهد سنويا وكذلك بقية الايدي العاملة، في ظل سيطرة اقتصاد الريع وغياب القطاع الخاص الحقيقي القادر على توفير بيئة عمل مستقرة ومجزية.

و حتى بالنسبة للعاملين في القطاع الحكومي أو شبه الحكومي، أدت تقلبات سعر الصرف والتضخم المتسارع إلى تراجع القيمة الشرائية للرواتب، مما يجعل تأمين متطلبات الحياة الأساسية هما يوميا مضنيا.

و تعاني المدن العراقية، وبخاصة أطراف العاصمة والمحافظات، من تدهور حاد في شبكات المياه الصالحة للشرب، والصرف الصحي، والكهرباء، والنقل العام، والخدمات الصحية، و تعيش عائلات بأكملها هاجس غياب بيئة آمنة ونظيفة ومستقرة لتربية الأبناء، مما ينشئ شعورا عاما بأن البقاء في العراق يعادل حرقا بطيئا للفرص وإضاعة السنوات.

يفقد قطاع واسع من الشباب الثقة في إمكانية حدوث إصلاح حقيقي يغير واقعهم المعيشي أو يمنحهم كرامة إنسانية ووظيفية تعتمد على الكفاءة لا على الولاءات الضيقة فتحولت الهجرة غير النظامية، على خطورتها البالغة، في وجدان اليائسين إلى خيار عقلاني في مواجهة واقع يرونه جامدا ومغلقا بالكامل، اذ يظهر الموت في البحر أهون بنظر البعض من الاستمرار في حياة بلا أفق.

وتستغل شبكات الجريمة المنظمة للتهريب حالة اليأس العام، وتقوم بترويج صورة ذهنية خادعة ومبالغ فيها عن سهولة الحصول على اللجوء وفرص العمل والرفاه في الدول الأوروبية، متجاهلة تماما المخاطر المميتة وقسوة القوانين الأوروبية الجديدة، وصعود اليمين العنصري. إن هذه المآسي المتكررة على شواطئ اليونان وليبيا وغيرها ليست مجرد أخبار عابرة، بل هي ناقوس خطر دائم يترجم حجم الفجوة الهائلة بين طموحات جيل كامل ـ بل اكثر من جيل اذ يفكر حتى كبار السن بالهجرة ـ وواقع محاصر بالأزمات.

ان الشباب والعائلات لا يفرون من البلد حبا بالمخاطرة أو رغبة في المجهول، بل يهربون من غياب الأفق. ومتى ما أُعيد بناء هذا الأفق، تتراجع رغبة المغامرة بالروح، و لتحقيق ذلك، تتطلب المعالجات حزمة شاملة تقترن بالجدية والإرادة الإدارية والسياسية، من ذلك تفعيل القطاع الخاص والتمويل الصغير وتنشيط ودعم الزراعة، و إنهاء هيمنة الوظيفة الحكومية كملجأ أخير للشباب، بحماية المنتج المحلي، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات الناشئة، وتوفير قروض ميسرة حقيقية بعيدا عن الروتين والعمولات للشباب أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

يتوجب تبسيط المعاملات وتخليصها من البيروقراطية المعقدة والابتزاز الإداري، لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية في قطاعات كثيفة العمالة مثل الصناعة التحويلية، الزراعة الحديثة، والسياحة، و تحديث المناهج الجامعية والمهنية لتركز على مهارات التكنولوجيا، واللغات، والمهن الفنية المتطورة، مما يجعل الخريج يتمتع بقيمة سوقية تؤهله للعمل الفوري من دون الحاجة لانتظار التعيين الحكومي.

 يجب تقديم تحسينات ملموسة وسريعة في قطاعات لا غنى عنها للحياة اليومية مثل الكهرباء، و المياه الصالحة للشرب، وشبكات الصرف الصحي، والنقل العام وانشاء الحدائق والمتنزهات وفضاءات الالعاب في المناطق السكنية، فتحسين هذه الخدمات يعيد للمواطن الشعور بأن مدينته صالحة للسكن والاستقرار العائلي.

و عندما يطمئن المواطن إلى وجود مستشفى حكومي يقدم خدمة لائقة، ومدرسة مجهزة تضمن مستقبلا محترما لأبنائه، تزول أهم الدوافع التي تجعل العائلات تخاطر بكل ما تملك للهجرة بحثا عن بيئة آمنة للأطفال. ويتوجب توسيع وتوجيه الرعاية الاجتماعية لتصل إلى الفئات الأكثر هشاشة والفقراء، مع ربط الدعم ببرامج تدريب وتأهيل تحول المتلقي من حالة الاتكال إلى حالة الإنتاج.

يجب تفكيك شبكات المحسوبية والوساطة في التوظيف والترقية والفرص الاستثمارية. عندما يشعر الشاب أن جهده ومؤهلاته هي المعيار الوحيد لنجاحه، يستعيد الأمل في إمكانية بناء مستقبله في داخل بلده، يصاحب ذلك توفير بيئة قانونية تحمي أصحاب المهن والمحال والأعمال الصغيرة من التنمر و التجاوزات غير القانونية، مما يمنح استقرارا نفسيا واقتصاديا للمستثمر الصغير. و من الضروري ملاحقة الجريمة المنظمة التي تتاجر بأرواح الشباب وتخدعهم بمسارات هجرة آمنة ومستقبل وردي غير واقعي، مع ابراز التحديات القانونية والمعيشية القاسية التي تواجه المهاجرين غير النظاميين في أوروبا حاليا، و تسليط الضوء في الوقت نفسه على قمم النجاح والفرص التي يمكن اقتناصها محليا عند توفر الإرادة والدعم.

ولكن الحلول الاستراتيجية بعيدة المدى، برغم أهميتها القصوى، لا تطعم جائعا ولا تمنح شابا عاطلا أو حائرا طوق نجاة في اللحظة الراهنة. عندما يكون الشارع مهيأ للغليان والاحتقان، وتكون قوارب الموت هي الخيار البديل، تصبح الإجراءات الإسعافية السريعة ضرورة أمنية وإنسانية ملحة لكسر حلقة اليأس ومنح الناس بصيص أمل ملموس. ويمكن تلخيص هذه الخطوات الإسعافية العاجلة التي تمنح فورا، وتخفف ضغط الشارع بمجموعة اجراءات في مقدمتها امتصاص بطالة الخريجين والشباب فورا بتعيينهم بحسب الاقدمية وبالتدريج، حتى نعطي الأمل لمن تبقى منهم من غير تعيين، ويتوجب تسوية أوضاع العاملين بعقود وأجور يومية وتحويلهم إلى درجات تثبت حقوقهم الوظيفية، لقطع دابر القلق المعيشي المستمر لديهم ولعائلاتهم، وتوفير فرص عمل فورية في مشاريع البنى التحتية الخدمية، والتشغيل "الاشرافي" أو الميداني المؤقت بحد أدنى للأجور يضمن الحد الأدنى للعيش الكريم ريثما يستوعب السوق. كما يجب توسيع مظلة الحماية الاجتماعية بشمول الأسر الفقيرة والعاطلين عن العمل الحقيقيين برواتب الرعاية الاجتماعية من دون تعقيدات بيروقراطية طاحنة، و دعم وتأمين السلة الغذائية بانتظام وثبات لتتحصن العائلات ذات الدخل المحدود في وجه تقلبات الأسعار والتضخم اليومي.

ومن الاجراءات الواجبة، التركيز على المناطق الفقيرة والأطراف التي تتركز فيها عادة خيارات الهجرة، عبر إصلاح شبكات المياه، و تحسين واقع الكهرباء المحلية، وتعبيد الطرق وإنارة الأحياء، وانشاء الحدائق، فالشعور بالاهتمام الحكومي المباشر يغير النفسية العامة للشارع بشكل ملحوظ، ويجب تأمين الأدوية المزمنة والمستلزمات الأساسية في المستشفيات الحكومية المجانية، لتخفيف العبء المالي القاسي الذي تفرضه المستشفيات الاهلية على العائلات المتعففة والمرضى وكبار السن.

إن اتخاذ هذه التدابير الفورية لا يحل جميع مشكلات البلد المزمنة، لكنه يمثل "مُسَكنا" استراتيجيا يكسب الوقت للحكومة والمجتمع، ويحول دون الانفجار الاجتماعي أو تفاقم حالات الانتحار والهجرة غير النظامية. عندما يشعر المواطن بأن الدولة تشعر بوجعه وتتحرك لإنقاذه اليوم قبل الغد، يتراجع شعور العزلة ويحل محله الأمل في إمكانية الإصلاح. خطوة كهذه تتطلب بالطبع جرأة مالية وإدارية، وإرادة حقيقية لترشيد الإنفاق وتحويل الموارد نحو الشرائح الأكثر هشاشة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!