RSS
2026-10-21 12:38:48

ابحث في الموقع

التقادم وسقف مدد الإيداع في قانون رعاية الأحداث العراقي

التقادم وسقف مدد الإيداع في قانون رعاية الأحداث العراقي
بقلم: القاضي مثنى احمد مصطفى

قراءة في المادتين (70) و (81) في ضوء التطبيقات القضائية الحديثة

تقوم السياسة الجنائية في مجال الأحداث على فلسفة تختلف في جوهرها عن السياسة العقابية المطبقة بحق البالغين، إذ لا ينظر إلى التدبير المتخذ بحق الحدث باعتباره عقوبة غايتها الإيلام أو الردع المجرد، وإنما بوصفه وسيلة للإصلاح والتأهيل وإعادة الإدماج في المجتمع. وقد تبنى قانون رعاية الأحداث العراقي رقم (76) لسنة 1983 هذه الفلسفة، ووضع مجموعة من الأحكام الخاصة التي تراعي عمر الحدث وظروفه وطبيعة مسؤوليته، ومن أبرزها ما ورد في المادتين (70) و(81)، لما لهما من اتصال مباشر بمرور الزمن وبمدة سلب الحرية.

وتحتل المادة (70) مكانة خاصة في هذا الإطار؛ لأن النظام الجنائي العراقي لا يأخذ، كأصل عام، بالتقادم المسقط للدعوى الجزائية أو للعقوبة، الأمر الذي يجعل التقادم الوارد في قانون رعاية الأحداث استثناءً تشريعيًا مقررًا لمصلحة الحدث. فقد قررت المادة (70/أولًا) انقضاء الدعوى الجزائية بمضي عشر سنوات في الجنايات وخمس سنوات في الجنح، وهو اتجاه تشريعي ينسجم مع الطبيعة الإصلاحية لعدالة الأحداث، إذ يصعب التوفيق بين إعادة تأهيل الحدث وبين إبقائه عرضة للملاحقة الجزائية إلى أجل غير محدد.

ومع أهمية هذه الحماية، فإن الصياغة التشريعية للمادة تثير عددًا من الإشكالات العملية. فهي لم تحدد بصورة صريحة اليوم الذي تبدأ منه مدة التقادم، ولم تنظم حالات وقف المدة أو انقطاعها، ولم توضح أثر إجراءات التحقيق أو الاتهام أو المحاكمة المتخذة أثناء سريانها. والفرق بين الوقف والانقطاع جوهري؛ فالوقف يؤدي إلى تعليق سريان المدة مع الاحتفاظ بالجزء الذي مضى منها، بينما يؤدي الانقطاع إلى زوال أثر المدة السابقة وبدء مدة جديدة. ومن ثم فإن ترك هذه المسائل دون تنظيم دقيق قد يؤدي إلى تفاوت في الاجتهاد والتطبيق القضائي.

كما أن المادة (70/أولًا) اقتصرت على الجنايات والجنح ولم تتناول المخالفات، رغم أن قانون رعاية الأحداث يتعامل مع صور متعددة من السلوك الجرمي. ولما كان التقادم في قانون الأحداث استثناءً من الأصل العام، فلا يصح التوسع فيه عن طريق القياس، وهو ما يجعل معالجة هذا الفراغ أمرًا يتطلب تدخلًا تشريعيًا صريحًا.

أما المادة (70/ثانيًا)، فقد تناولت سقوط التدبير إذا لم يتم تنفيذه، فنصت على سقوطه بمضي خمس عشرة سنة في الجنايات، وبمضي ثلاث سنوات على انتهاء مدة التدبير المحكوم به في الحالات الأخرى. وهذه الصياغة تثير هي الأخرى إشكالًا؛ إذ يصعب تحديد معنى مرور ثلاث سنوات على انتهاء مدة تدبير لم يبدأ تنفيذه أصلًا. ومن الأفضل أن يحدد القانون بصورة صريحة النقطة الزمنية التي يبدأ منها حساب مدة سقوط التدبير، منعًا لاختلاف التطبيق في مسألة تمس الحرية الشخصية مباشرة.

وقد كشفت التطبيقات القضائية الحديثة عن الأهمية العملية لهذه الإشكالات، ولا سيما في الدعاوى المتعلقة بجرائم خطيرة أو خاضعة لقوانين جزائية خاصة. ففي القرارات الصادرة عن محكمة أحداث بغداد/الكرخ بصفتها التمييزية بتاريخ 23 /11 /2025، عُرضت على المحكمة وقائع ارتبطت بجرائم خطف وقتل وأفعال إرهابية ارتكبت ضمن نشاط جماعي، وكان بعض الاتهام قائمًا على أحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005، فضلًا عن وجود أحكام أو دعاوى أخرى بحق بعض المتهمين.

وقد أثير في تلك الدعاوى الدفع بانقضاء الدعوى الجزائية بالتقادم استنادًا إلى المادة (70/أولًا) من قانون رعاية الأحداث، إلا أن المحكمة رفضت الدفع بالتقادم، ولم ترَ أن مجرد مرور المدة الزمنية الظاهرية يكفي للحكم بانقضاء الدعوى. وإنما بحثت ظروف الوقائع وطبيعة الجرائم والإجراءات المرتبطة بها، وانتهت إلى أن شروط تطبيق المادة (70) غير متحققة في الدعاوى المعروضة، الأمر الذي ترتب عليه استمرار الإجراءات الجزائية وعدم إنهاء الدعوى بسبب التقادم.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية من الناحية القانونية؛ لأنها تكشف أن القضاء لم يتعامل مع المادة (70) باعتبارها قاعدة حسابية تطبق بمجرد مرور عشر سنوات أو خمس سنوات، وإنما اتجه إلى فحص مدى توافر شروطها القانونية في ضوء طبيعة الجريمة والوقائع المحيطة بها. ومع ذلك، فإن هذه القرارات لا ينبغي تفسيرها على أنها تنشئ قاعدة عامة تقضي بأن كل جريمة إرهابية مستثناة بصورة مطلقة من التقادم الوارد في قانون رعاية الأحداث، إذ إن أسبابها ارتبطت بالوقائع المحددة المعروضة أمام المحكمة وبعدم تحقق شروط المادة في تلك الدعاوى.

وبجانب أحكام التقادم تبرز المادة (81) بوصفها ضمانة أخرى مهمة للحدث، إذ نصت على أنه إذا تعددت مدد الإيداع فلا يجوز أن يزيد مجموع ما ينفذ منها على خمس سنوات في مدرسة تأهيل الصبيان، وعلى خمس عشرة سنة في مدرسة تأهيل الفتيان. ويتبين من هذا النص أن المشرع أراد منع تراكم مدد الإيداع إلى حد يفقد التدبير طبيعته الإصلاحية ويجعله أقرب إلى العقوبة الممتدة.

والمادة (81) لا تتعلق بتحديد التدبير عند إصدار الحكم، وإنما تنظم مرحلة التنفيذ، فهي تضع حدًا أقصى لمجموع مدد الإيداع الواجبة التنفيذ عندما تتعدد الأحكام. وهي بذلك تتكامل مع المواد (67) و(68) و(69) المتعلقة بتعدد الجرائم والتدابير، إذ تحدد تلك النصوص كيفية التعامل مع الأحكام عند التعدد، بينما تضع المادة (81) السقف الزمني الذي لا يجوز تجاوزه عند التنفيذ.

ويثور إشكال آخر عند ربط المادة (81) بالمادة (82)، التي توجب نقل المودع من مؤسسة إلى أخرى بحسب تقدمه في العمر لإكمال مدة حكمه. ويثور هنا التساؤل عما إذا كان السقف المنصوص عليه في المادة (81) يحسب على أساس مسار التنفيذ كله أم على أساس كل مؤسسة تأهيلية بصورة مستقلة. وتميل صياغة النص إلى ربط كل حد بالمؤسسة المحددة فيه، إلا أن اتصال المسألة بحرية الشخص يجعل من الأفضل حسمها تشريعيًا بنص واضح يمنع اختلاف التفسير.

كما ينبغي التمييز بين السقف التنفيذي الذي تقرره المادة (81) وبين الإفراج الشرطي المنظم في المادة (84)، فالسقف الوارد في المادة (81) حد قانوني يحكم مجموع ما يمكن تنفيذه من مدد الإيداع، في حين يرتبط الإفراج الشرطي بشروط أخرى من بينها المدة المقضية وسلوك الحدث وتقارير الجهات المختصة وقرار المحكمة، ومن ثم فإن لكل نظام مجاله وغايته.

ومن خلال قراءة المادتين (70) و (81) في ضوء التطبيقات القضائية الحديثة يتبين أن قانون رعاية الأحداث العراقي وفر ضمانات مهمة للحدث، غير أن بعض هذه الضمانات ما زال بحاجة إلى صياغة تشريعية أكثر دقة. فالمادة (70) تحتاج إلى بيان صريح لبداية مدة التقادم وأسباب وقفها وانقطاعها، وإضافة حكم للمخالفات، وتوضيح أثر القوانين الجزائية الخاصة، فضلًا عن إعادة صياغة أحكام سقوط التدبير. كما تحتاج المادة (81) إلى حسم أثر انتقال الحدث بين المؤسسات التأهيلية في تحديد الحد الأعلى للتنفيذ.

كما تكشف التطبيقات القضائية محل البحث أن مسألة التقادم لا يمكن اختزالها في مجرد احتساب عدد من السنوات، بل تتطلب بحثًا لطبيعة الواقعة ومدى توافر شروط النص، ولا سيما عندما تكون الدعوى مرتبطة بجرائم خطيرة أو بنصوص جزائية خاصة. ومن ثم فإن التطبيق السليم للمادة (70) يقتضي موازنة دقيقة بين خصوصية نظام عدالة الأحداث وبين طبيعة كل واقعة وظروفها القانونية.

وأرى أن معالجة هذه الإشكالات تستدعي تدخلًا تشريعيًا يحقق مزيدًا من اليقين القانوني، ولا سيما في المسائل المتصلة بانقضاء الدعوى واستمرار سلب الحرية. فالمطلوب ليس توسيع نطاق التقادم بطريقة تؤدي إلى الإفلات من المسؤولية، ولا التضييق منه بطريقة تفرغ الضمانة المقررة للحدث من مضمونها، وإنما إيجاد توازن دقيق بين حق المجتمع في ملاحقة الجرائم وبين الطبيعة الإصلاحية لقانون رعاية الأحداث.

إن فلسفة عدالة الأحداث لا تتحقق بمجرد تخفيف الجزاء، وإنما تقتضي أن يكون الزمن ذاته جزءًا من الحماية القانونية الممنوحة للحدث؛ سواء من حيث المدة التي يجوز خلالها تحريك الدعوى أو من حيث المدة التي يمكن تنفيذ التدبير خلالها. ومن هنا تظل المادتان (70) و (81) من النصوص المهمة في تحقيق هذا التوازن، إلا أن فاعليتهما تتطلب وضوحًا تشريعيًا ودقة قضائية في تحديد شروط التقادم وحدود تنفيذ التدابير السالبة للحرية.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!