RSS
2026-11-01 18:06:56

ابحث في الموقع

الجرائم ذات البعد الحضاري.. جريمة رمي النفايات في الشوارع والأماكن العامة

الجرائم ذات البعد الحضاري.. جريمة رمي النفايات في الشوارع والأماكن العامة
بقلم: القاضي أريج خليل

تُعدّ ظاهرة رمي النفايات في الشوارع والأماكن العامة من السلوكيات السلبية التي تتجاوز آثارها مجرد الإخلال بالنظافة، لتشمل تلويث البيئة، وانتشار الروائح الكريهة والحشرات، واحتمال انتقال الأمراض، وانسداد شبكات تصريف المياه، فضلًا عن تشويه المظهر الجمالي والحضاري للمدن.

ومن هنا تبرز أهمية التدخل القانوني لتنظيم سلوك الأفراد في الأماكن العامة، من خلال وضع القواعد التي تحدد واجباتهم، وبيان صور المخالفات والعقوبات المقررة لها، فضلًا عن تحديد مسؤولية الجهات العامة المختصة بإدارة النفايات والمحافظة على النظافة العامة.

ولا تقتصر مواجهة هذه الظاهرة على فرض الجزاءات، بل تتطلب أيضًا تعزيز الوعي البيئي، وتوفير وسائل جمع النفايات والتخلص منها بصورة سليمة، وتحقيق التوازن بين مسؤولية الفرد وواجبات الإدارة في حماية البيئة الحضرية.

المشرع العراقي جَرّم هذا الفعل في نصوص متعددة سواء في القانون العام أم الخاص، حيث نصت المادة ٤٩١/ثانيًا من قانون العقوبات العراقي رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ على: "يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على شهر أو بغرامة، ثانيًا – من ألقى بغير احتياط مواد صلبة أو سائلة أو غازية على إنسان ولو لم يُحدث ذلك به إصابة ما"، ونصت المادة ٤٩٦/ثانيًا من القانون أعلاه على: "ثانيًا – يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ستة أشهر وبغرامة، من ألقى في نهر أو ترعة أو مبزل أو أي مجرى من مجاري المياه جثة حيوان أو مواد قذرة أو ضارة بالصحة، أو تركها مكشوفة دون أن يتخذ الإجراءات الوقائية لطمرها أو حرقها"، ونصت المادة ٤٩٧/ثانيًا من ذات القانون أعلاه: "يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على خمسة عشر يومًا أو بغرامة من ألقى أو وضع في شارع أو طريق أو ساحة أو منتزه عام قاذورات أو أوساخًا أو كناسات أو مياهًا قذرة أو غير ذلك مما يضر بالصحة"، ونصت المادة ٥٠٠/ثالثًا من قانون العقوبات العراقي: "يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على عشرة أيام أو بغرامة من رمى أحجارًا أو أشياء أخرى صلبة أو قاذورات على عربات أو بيوت أو مبانٍ أو محوطات ملك غيره أو على بساتين أو حظائر".

أما القانون الخاص فقد عرف قانون حماية وتحسين البيئة رقم ٢٧ لسنة ٢٠٠٩ في المادة ١/عاشرًا النفايات بأنها المواد الصلبة أو السائلة أو الغازية غير القابلة للاستخدام أو التدوير الناجمة عن مختلف أنواع النشاطات، ونصت المادة ١٧/خامسًا من القانون أعلاه: "يُمنع رمي المخلفات الصلبة عشوائيًا إلا في الأماكن المخصصة لها"، ونصت المادة ١٤/ثالثًا: "يُمنع رمي النفايات الصلبة أو فضلات الحيوانات أو أشلائها أو مخلفاتها إلى الموارد المائية"، ونصت المادة ٣٤ من ذات القانون على الجزاء الجنائي المترتب عن مخالفة القانون أعلاه حيث نصت: "أولًا: مع عدم الإخلال بأيَّة عقوبة أشد ينص عليها القانون يُعاقب المخالف لأحكام هذا القانون والأنظمة والتعليمات والبيانات الصادرة بموجبه بالحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن مليون دينار ولا تزيد على عشرين مليون دينار أو بكلتا العقوبتين، ثانيًا: تُضاعف العقوبة في كل مرة يتكرر فيها ارتكاب المخالفة".

أما مسألة رمي النفايات من نوافذ العجلات فإنه يمثل سلوكًا يمسّ النظافة العامة وسلامة الطريق والمظهر الحضاري للمجتمع. وقد تمت مواجهة هذا السلوك السلبي في المادة ٢٥/ثالثًا/ف من قانون المرور النافذ حيث نصت: "يُعاقب بغرامة مقدارها خمسون ألف دينار عراقي من قام برمي النفايات والأوراق والسجائر في الشارع".

المشرع العراقي أدرك أهمية تثقيف الأفراد على هذه الأفعال التي تمس الجانب الحضاري في المجتمع ونص في المادة ١٣ من قانون حماية وتحسين البيئة على: "أولًا: تتولى الجهات المسؤولة عن التربية والتعليم بمراحله المختلفة العمل على إدخال المواد والعلوم البيئية في جميع المراحل الدراسية والعمل على إنشاء وتطوير المعاهد المتخصصة في علوم البيئة لتخريج الملاكات المؤهلة للعمل البيئي بالتنسيق مع وزارة البيئة.

ثانيًا: تتولى الجهات المسؤولة عن الإعلام والتوجيه والإرشاد العمل على تعزيز برامج التوعية البيئية في مختلف وسائل الإعلام وتوجيه برامجها العامة والخاصة بشكل يخدم حماية البيئة.

ثالثًا: تتولى الجهات المعنية بالثقافة إعداد البرامج وإصدار الكتب والمطبوعات والنشرات التي تهدف إلى تنمية الثقافة البيئية".

وفي ضوء ما تقدم، فإن الحد من هذه الظاهرة لا يتحقق بالجزاءات القانونية وحدها، بل يتطلب تكاملاً بين الردع القانوني والتوعية المجتمعية وكفاءة الخدمات البلدية. فالمحافظة على نظافة الطرق العامة مسؤولية مشتركة بين الفرد والدولة، وتمثل مظهراً من مظاهر الوعي الحضاري واحترام الحقوق العامة، وتسهم في بناء بيئة نظيفة وآمنة للأجيال الحاضرة والقادمة.

ونجد أن العقوبات الواردة أعلاه لا تتناسب مع الأثر السلبي الذي يترتب على هذه الأفعال مما يقتضي ضرورة تشديد العقوبات القانونية المقررة على مرتكبي فعل إلقاء الأوساخ والنفايات في الشوارع والأماكن العامة، بما يتناسب مع خطورة هذا السلوك وآثاره البيئية والحضارية والمرورية، وبما يحقق الردع العام والخاص ويسهم في الحد من تكرار هذه المخالفات.

كما نقترح أن يتجه المشرّع إلى مراجعة النصوص القانونية ذات الصلة، والعمل على استحداث جزاءات أكثر فاعلية عند الحاجة، كزيادة الغرامات المالية وتدرّجها بحسب طبيعة المخالفة وتكرارها، مع مراعاة التناسب بين الفعل والجزاء وضمانات العدالة القانونية. كذلك، ينبغي تعزيز آليات ضبط المخالفات وإثباتها، وتفعيل الرقابة باستخدام الوسائل التقنية الحديثة وفقاً للقانون، لضمان التطبيق الفعلي للعقوبات وعدم اقتصارها على النصوص التشريعية. فالتشديد التشريعي، متى اقترن بإنفاذ جاد ومستمر وتوعية مجتمعية فاعلة، يمكن أن يسهم في ترسيخ احترام الطريق العام وحماية البيئة وتحقيق المظهر الحضاري اللائق بالمجتمع.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!