لا يخفى على الجميع أهمية الكفاءات البشرية في العمل الإداري لاسيما في انها تمثل الثروة الحقيقية التي تمتلكها الدائرة او المؤسسة والتي من خلالها تحقق اهدافها وتحسين جودة خدماتها وتطوير عملها بكفاءة وفاعلية . ان مؤسسات الدولة وحتى غير الحكومية لا تبنى او تقوم على الهياكل التنظيمية والقرارات والقوانين والتعليمات وما تملكه من صلاحيات إدارية وفنية فقط, اذ ان هذه الأمور هي عوامل مساعدة لنجاح العمل بل ان دور العقول المبدعة والطاقات الفعالة والخبرات المتراكمة هي الأساس القادرة على اعداد الخطط النموذجية وتنفيذ وتحويل هذه الخطط الى واقع ونتائج ملموسة وبجودة عالية .
لذلك نجد ان العديد من المؤسسات وغالبا الحكومية منها تواجه هجرة او بتعبير ادق مغادرة المواهب والكفاءات من أصحاب المهنية والعلمية والخبرة المتراكمة وبعدة اشكال منها الاستقالة او طلب النقل او طلب الاحالة على التقاعد المبكر او اللجوء الى الاجازة الطويلة املا في تغيير الواقع المهني او بيئة العمل الطاردة لهذا النوع من الموظفين الموهبين, او ظهور حالة الانسحاب الوظيفي والمقصود به (أي ان يكون الموظف متواجد في المؤسسة او مكان العمل الا انه غائب روحيا وفكريا اي برود روح المبادرة والابداع والرغبة في تقديم الأفضل), تتجسد خطورة هذه الحالة او الظاهرة في الكلفة الخفية التي تترتب على ذلك والتي لا يمكن ان تكون ملموسة بوضوح كما هي الحال في التكاليف المالية او تقارير النشاطات الإدارية.. بل تنعكس على سرعة وكفاءة العمل وجودة الإنتاج وضعف القدرة على الابتكار والتطوير والتحسين المستمر. يمكن تعريف الموهبة بانها القدرات والمهارات والعلمية التي يتمتع بها بعض الموظفون والتي تجعلهم يتميزون بأدائهم لاسيما بما يقدمونه من أفكار وابتكارات إبداعية , والقدرة على القيادة وجودة اتخاذ القرار.
أما ما يخص موضوعنا الان هو المواهب المغادرة والتي يقصد بها ارتفاع معدل دوران العمل او ترك الكفاءات المتميزة من الموظفين الذين يتمتعون بمهارات وقابليات وخبرات نادرة تركهم عملهم او انهاء علاقتهم بالوظيفة مما يؤدي الى خلل كبير في راس المال البشري والفكري للمؤسسة, وتكون اما بالاستقالة , او التقاعد المبكر, او طلب الاجازة الطويلة, او الانتقال للعمل في مكان اخر وبيئة عمل أخرى.
أسباب مغادرة المواهب والكفاءات
ضعف قرارات القيادة الإدارية، ويتجلى ذلك من خلال ضعف التفويض وعدم اشراك الموظفين من أصحاب الخبرة والمهارة والكفاءة في اتخاذ القرارات. عدم تناسب الموظف للعمل المناط اليه، أي عدم استثمار الخبرة التي يتمتع بها الموظف واسناد مهام لا تناسب مؤهلاته. ضغوط العمل وعدم المحافظة على التوازن الوظيفي، أي تحميل الموظف المتمكن والكفوء بأعباء إضافية دون دعم او توزيع صحيح وعادل لواجبات العمل. رداءة بيئة العمل المؤسسي، أي عدم التنسيق بين اقسام المؤسسة وقلة الموارد لاسيما قلة التجهيزات التي تساعد على رفع روح المبادرة والابتكار. بروز العلاقات الشخصية ودورها في توزيع الفرص: أي ان المحسوبية تلعب دورا في توزيع العمل ومنح الفرصة في الابتكار والتطوير، ومنحها للمقربين وليس لأصحاب الخبرة والكفاءة والاختصاص. غياب العدالة في التحفيز المعنوي والمادي، أي عدم تناسب التقييم ماديا من حيث المكافئات والحوافز, او عدم اعتماد المهارة والخبرة معيارا لإسناد الاعمال والمهام وعدم تطوير أداء الموظفين الموهوبين من خلال اشراكهم في الدورات والإيفادات الخاصة بعملهم وغير ذلك من تقييم لكفاءتهم في بيئة العمل. الاستمرار بالإجراءات التقليدية، أي عدم الاستفادة من التحول الرقمي وتكنلوجيا المعلومات التي من شانها تطوير الأداء وتسهيل العمل ومواكبة التقدم والتنمية المستدامة. عدم الاهتمام بوضع خطط للتعاقب الوظيفي. أي عدم تأهيل بدلاء للموهبين في اشغال وظائفهم من خلال نقل الخبرة والمعرفة الى الموظفين الجدد .
الاثار التي تترتب من جراء مغادرة الكفاءات
يمكن ايجاز الاثار المترتبة بسبب هجرة او مغادرة المواهب من عدة جوانب وكما في اثرها على المورد البشري في المؤسسة, اذ يزداد ضغط العمل على الموجود وخلل في الخبرات إضافة الى تراجع الروح المعنوية عند الموظفين الباقين وصعوبة الاحتفاظ بهم مالم يتم معالجة أسباب المغادرة. اثرها إداريا وتنظيميا , حيث تزداد الانحرافات واخطاء العمل بسبب عدم توفر الخبرة يتبعه انخفاض في كفاءة وفاعلية الأداء مما يتسبب في تأخير العمل وبالتالي زيادة العبء وضعف استمرارية الاعمال بانسيابية ومهنية. الأثر المادي, حيث انه بسبب انخفاض الإنتاجية وضياع فرص تحسين الأداء و ترتفع كلف الأخطاء في العمل وتحميل المؤسسة نفقات استقطاب البدلاء وتدريبهم بدل من الاستفادة من مهارات الموهوبين والكفاءات.
الأثر على المدى البعيد استراتيجيا, فان ضعف التطور الإداري ومواكبة التكنلوجيا الحديثة والاعتماد على عدد محدود من الموظفين يؤدي الى فقدان استقرار المؤسسة وتراجع الخدمات المقدمة وجودتها وبالتالي التراجع في تنفيذ الخطة الاستراتيجية وعدم تحقيق الأهداف المرجوة .
كلفة مغادرة المواهب في دوائر الدولة
قبل الخوض في موضوع ما يترتب من تكاليف تتحملها المؤسسة بسبب مغادرة الكفاءات يجب توضيح وبشكل مختصر كيفية قياس هذه الكلفة , والتي من خلال احتسابها يمكن متابعة الكفاءات والية تطوير الموارد البشرية , ويجدر الإشارة هنا بانه ليس كل انتقال او استقالة او طلب إجازة في حركة الموظفين هو خسارة , بل فقط ما ينطبق عليهم تعريفنا السابق للموهبة أما قياس الكلفة فيكون من خلال الخطوات وتحديد اعداد الموهبين المغادرين خلال السنة مع معرفة السبب. معرفة نسبة المغادرين من أصحاب الاختصاصات والخبرات المتراكمة الذين لهم انجازات متميزة في مجال عملهم والمهارات التي يتمتعون بها . معرفة الوقت الذي يتوجب على المؤسسة ان تستغرقه لتعويض الموهوبين وكذلك الوقت اللازم لتأهليهم وتدريبهم. تحديد العمل والمعاملات التي تأخرت ومقدار ما فات من منفعة عامة للجميع سواء مؤسسة او مواطن. معرفة نفقات استبدال الموظف, من حيث التعيين ومن ثم التدريب وكذلك التطوير والتي قد لاتصل الى ما وصل اليه الموظف الموهوب المغادر. تحديد نسبة الوظائف التي أصبحت شاغرة وقياس اثرها على جودة العمل.
وهنا تجدر الإشارة الى انه إجراءات الحفاظ على الموهبين ليس مجرد إجراءات إدارية بل انه استثمار للطاقات والإمكانات والخبرات المتراكمة في استدامة الأداء في مؤسسات الدولة وحماية للموارد البشرية وما تحتضنه من مهارات وخبرات وعقول وقدرات استغرق بنائها وتنميتها سنوات, لذا فان الحفاظ عليها ليس ترفا او منظور شكلي بل ضرورة واستثماري فكري لان مؤسسات الدولة وما تقدمه من خدمات لا تبنى ولا تقوم فقط بأنظمتها او مواردها المالية او إمكاناتها فقط بل الأهم من ذلك كله كيفية استقطاب الموهوبين وأصحاب الخبرة والكفاءة وتحويل طاقاتهم الى قيمة مضافة تخدم العمل وجودته.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!