RSS
2026-02-20 17:06:55

ابحث في الموقع

حان الوقت لوزارة الاقتصاد في العراق

حان الوقت لوزارة الاقتصاد في العراق
بقلم: د. حازم محمود حميد النعيمي - مدير عام دائرة البحوث والدراسات برئاسة الجمهورية

في كل مرة تُناقش فيها الموازنة العامة في العراق يتكرر المشهد ذاته: أرقام، عجز، إيرادات، نفقات، ورواتب. ينتهي النقاش غالبًا عند سؤال واحد: من أين نغطي العجز؟ لكن السؤال الأهم يبقى غائبًا: لماذا وصلنا إلى هذه النقطة أصلًا؟

المشكلة ليست في قلة الموارد بل في طريقة التفكير الاقتصادي للدولة التي ما زالت تُدار بعقلية وزارة مالية لا بعقلية وزارة اقتصاد.

وزارة المالية بطبيعتها وزارة إجرائية تحصي الإيرادات وتضبط الصرف وتراقب الالتزام بالسقوف المالية وغيرها. دورها مهم ولا يمكن الاستغناء عنه لكنها تتعامل مع نتائج الاقتصاد بعد وقوعها. أما الاقتصاد الحقيقي المتعلق بالإنتاج والتشغيل والاستثمار والتنويع فلا يدار بدفاتر الحساب بل بالسياسات والرؤية طويلة الأمد.

الدول التي تعاني بطالة مرتفعة واقتصادًا ريعيًا وضعفًا في الإنتاج لا يكفيها أن تعرف كم تنفق بل تحتاج أن تعرف كيف تنتج. كيف تُخلق فرص العمل؟ كيف يُحفز القطاع الخاص؟ وكيف تتحول الدولة من رب عمل إلى منظم للسوق؟ هذه الأسئلة ليست من اختصاص وزارة المالية بل من اختصاص وزارة اقتصاد تمتلك أدوات التحليل والتخطيط والتنسيق.

الفرق بين الوزارتين جوهري فوزارة المالية معنية بالواردات والصرف أما وزارة الاقتصاد فتسأل كيف نُكبر الاقتصاد وننوع مصادر الدخل ونحمي البلد من الأزمات؟ ومن دون هذا التحول ستبقى الموازنة هدفًا بحد ذاته بدل أن تكون أداة لتحقيق التنمية.

هناك تجارب دولية ممكن الاستفادة منها ففي ألمانيا تقود وزارة الاقتصاد السياسة الصناعية طويلة الأمد بينما تركز وزارة المالية على الانضباط المالي وفي فرنسا تُستخدم السياسة الاقتصادية لدعم الابتكار والنمو لا لمجرد ضبط الحسابات أما اليابان فقد قادت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة التحول الصناعي لعقود واستمرت رؤيتها رغم تغيّر الحكومات. وحتى في سوريا جرى إنشاء وزارة للاقتصاد والتجارة الخارجية ودمج ملفات التجارة والصناعة ضمن إطار اقتصادي واحد لتوحيد القرار الاقتصادي وعدم بقائه موزعًا بين مؤسسات متعددة.

في المقابل، ربما يقال ان لدينا مجلس وزاري للاقتصاد وهي لجنة معنية باتخاذات القرارات الاقتصادية في البلد بوصفه بديلًا. لكن هذا النموذج مؤقت بطبيعته ويتغير كل دورة حكومية ويخضع للتوازنات السياسية. والواقع يبيّن أن اللجنة الوزارية الاقتصادية الحالية تعاني تخبطًا في قراراتها وتعتمد على رؤى أشخاص حاليين أكثر مما تعتمد على إطار مؤسسي ثابت وقد تتغير هذه الرؤية مع أي حكومة جديدة فتبدأ السياسات من الصفر مرة أخرى. الاقتصاد لا يحتمل الارتجال ولا تبدل الاتجاهات كل بضع سنوات.

إن إنشاء وزارة اقتصاد مستقلة يعني وجود مؤسسة دائمة تمتلك ذاكرة استراتيجية وتضع رؤية طويلة الأمد تستمر وتتطور بغض النظر عن تغيّر الوزراء. عندها تتحول السياسة الاقتصادية إلى سياسة دولة لا سياسة حكومة وتصبح وزارة المالية أداة ضبط وتنفيذ ضمن إطار اقتصادي أشمل، لا القائد الوحيد للمشهد.

ولكي تنجح هذه الفكرة، ينبغي أن تترافق مع إعادة هيكلة حقيقية تقوم على دمج وزارات التخطيط والتجارة والصناعة وكذلك هيئة الاستثمار داخل وزارة الاقتصاد الجديدة مع منحها صلاحيات واضحة وتوحيد القرار الاقتصادي على أن يتولى وزيرها منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ايضا لضمان التنسيق مع بقية الوزارات وجميع القطاعات.

كما أن الإصلاح لا يكتمل من دون تبنّي الدولة منهجا اقتصاديا واضحًا ومعلنا يفهمه الجميع. يجب أن يعرف المواطن والمستثمر فلسفة الدولة الاقتصادية: ما حدود تدخلها في السوق وما سياستها الضريبية وكيف تدعم الإنتاج وما خطتها للتشغيل. وضوح الرؤية يخلق الثقة ويجعل القرارات قابلة للتوقع ويمنح المستثمر الاستقرار الذي يحتاجه. وقد نجحت دول عديدة حين أعلنت استراتيجيات اقتصادية طويلة الأمد تتضمن أهدافا محددة وخطوات تنفيذية ومؤشرات قياس فتحولت السياسات من ردود أفعال إلى برامج عمل.

وعند السؤال حول من يمكن ان يتولى هذه الوزارة نستطيع طرح اسم علي عبد الأمير علاوي لتولي حقيبة الاقتصاد في حال استحداثها على أن يترافق ذلك مع إعادة الهيكلة المقترحة وقيادة الملف الاقتصادي بصفته نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.

فعلاوي شغل عدة مناصب بعد عام 2003 منها نائب رئيس الوزراء ووزير المالية ووزير التجارة وكذلك وزير الدفاع، ما منحه معرفة دقيقة ببنية الدولة الاقتصادية. وهو إلى جانب خبرته التنفيذية يمتلك خلفية أكاديمية متينة، إذ يحمل شهادات عليا في الاقتصاد وإدارة الأعمال وشهادة عليا من كلية جون كندي للإدارة الحكومية في جامعة هارفرد وشارك في مؤسسات بحثية دولية وألف كتبًا تناولت الاقتصاد العراقي. كما يحظى بتقدير في المؤسسات المالية العالمية ويُدعى لإلقاء محاضرات اقتصادية بصورة دورية ويمكن الاستفادة من مشروعه الإصلاحي المعروف بالورقة البيضاء كنقطة انطلاق لوضع استراتيجية اقتصادية وطنية طويلة الأمد غير خاضعة لتبدل الحكومات أو المزاج السياسي.

الخلاصة أن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الاجتماعات أو اللجان بل إلى تغيير فلسفة إدارة الاقتصاد من منطق الحساب إلى منطق الرؤية. وزارة المالية تجيب عن سؤال كيف نصرف، أما وزارة الاقتصاد فتجيب عن السؤال الأهم: كيف نبني اقتصادًا يعيش بعد النفط وبعد الأزمات. لقد حان الوقت فعلًا لوزارة الاقتصاد في العراق لأن الأرقام وحدها لا تصنع اقتصادا بل تصنعه الرؤية التي تقف خلفها.



الصورة: زياد متي
المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!