RSS
2026-01-22 14:06:31

ابحث في الموقع

سجناء داعش في طريقهم إلى "الحوت" و"كروبر".. سيادة قضائية أم قنبلة مؤجلة؟

سجناء داعش في طريقهم إلى "الحوت" و"كروبر".. سيادة قضائية أم قنبلة مؤجلة؟
أثار الإعلان عن بدء نقل دفعات من معتقلي داعش إلى الأراضي العراقية جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والأمنية، سيما مع غياب نقاش برلماني مسبق أو توضيحات رسمية تفصيلية بشأن آليات الاحتجاز، وأماكن الإيداع، والكلفة المالية والأمنية المترتبة على هذا القرار، وبين من يرى في الخطوة استعادة لحق قضائي وسيادي، ومن يحذر من تحويل البلاد إلى مخزن أزمات مؤجلة، يبرز الملف كاختبار جديد لقدرة العراق على إدارة أخطر تركة أمنية خلفها عقدان من الفوضى.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، أمس الأربعاء، بدء تنفيذ عملية نقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرقي سوريا إلى العراق، بهدف ضمان بقاء المعتقلين داخل مرافق احتجاز آمنة، إذ ستشمل المرحلة الأولى نقل 150 معتقلًا من عناصر التنظيم، وقد يصل العدد الإجمالي للمشمولين إلى نحو سبعة آلاف عنصر.

ويقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية السابق طالب اليساري، إن “العراق كان الهدف الرئيس لتنظيم داعش، وأن دماء العراقيين سالت على مدى أكثر من أربعة عشر عامًا نتيجة الجرائم والمجازر التي ارتكبها التنظيم، مع امتلاك الدولة الأدلة والوقائع الكاملة التي تثبت تورط هؤلاء المعتقلين في انتهاكات جسيمة طالت المدنيين والمؤسسات الأمنية، وأن محاسبتهم تمثل استحقاقًا وطنيًا لا يمكن تجاوزه”. 

ويوضح اليساري، أن “نقل المقاتلين الأجانب إلى العراق ومحاكمتهم وفق الأدلة المتوافرة خيار أكثر واقعية من إبقاء الملف مفتوحًا في ساحات غير مستقرة، بعد تحوله خلال السنوات الماضية إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية استُخدمت ضد العراق وسوريا وحتى التحالف الدولي، وأن حسمه داخل الإطار القضائي العراقي ينهي واحدة من أخطر بؤر الابتزاز الإقليمي”.

ويرى أن “العراق يمتلك اليوم القدرة على التعامل مع هذا الملف عبر مسارات متكاملة تشمل البعد الأمني على الأرض، والبعد القضائي من خلال المحاكم الوطنية، والبعد الدولي عبر إلزام الدول المعنية بتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها الذين انخرطوا في صفوف التنظيم الإرهابي، ما سيعزز ثقة العراقيين بقدرات دولتهم، ويبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن العراق لم يعد ساحة مفتوحة لتراكم الأزمات أو تصفية الحسابات”. 

وبحسب تقارير صحافية، فإن الدفعة الأولى من معتقلي تنظيم داعش الذين نُقلوا من سجون شمال شرقي سوريا تضم عراقيين وأجانب من جنسيات عربية وآسيوية وأفريقية وأوروبية، بينهم مقاتلون من دول مغاربية وخليجية وصومالية وآسيوية، إضافة إلى عناصر يحملون جنسيات أوروبية، وسط تقديرات بأنهم سيُوزَّعون على ثلاثة سجون مركزية، هي سجن سوسة في السليمانية، وسجن الناصرية المعروف بسجن الحوت، إضافة إلى سجن المطار في بغداد المعروف بسجن كروبر. 

وفي ظل اكتظاظ السجون العراقية، تثار مخاوف متزايدة من التحديات الأمنية واللوجستية المرافقة لاحتجاز هذا العدد الكبير من عناصر تنظيم داعش، سيما مع تسجيل العراق خلال الأشهر الماضية أكثر من حالة هروب لمعتقلين في عدد من المحافظات، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن جاهزية البنى التحتية الإصلاحية، وقدرة الأجهزة الأمنية على تأمين الاحتجاز طويل الأمد، ومنع أي خروقات قد تفتح الباب أمام إعادة تنشيط الخلايا النائمة أو استثمار الملف سياسيًا وأمنيًا.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، عماد علو، أن “نقل أعداد كبيرة من عناصر تنظيم داعش إلى داخل العراق يضع المنظومة الأمنية أمام اختبار معقد، يتعلق بقدرة الدولة على إدارة ملف عالي الخطورة يتداخل فيه الأمني بالقانوني وبالاجتماعي، في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة وتحديات داخلية قائمة”.

ويوضح علو، أن “طبيعة هؤلاء المعتقلين، وتنوع جنسياتهم، وخلفياتهم القتالية والفكرية، تفرض آليات دقيقة في التصنيف والتعامل، تبدأ من إجراءات الاحتجاز والحماية، ولا تنتهي عند برامج المتابعة والتأهيل”، محذرًا من أن “أي خلل في هذه الحلقات قد يفتح مسارات غير محسوبة، سواء على مستوى الأمن الداخلي أو على مستوى إعادة تنشيط شبكات نائمة”. 

ويردف أن “نجاح العراق في إدارة هذا الملف يتطلب مقاربة متعددة الأطراف، تشمل توزيع الأعباء وعدم حصرها بالجانب العراقي فقط، خصوصًا ما يتعلق بالدول التي ينتمي إليها بعض المعتقلين”، معتبرًا أن “تحويل العراق إلى الجهة الوحيدة التي تتحمل الكلفة الأمنية واللوجستية والسياسية قد يخلق ضغوطًا إضافية في مرحلة مهمة، بدل أن يكون الملف جزءًا من حل إقليمي أوسع”. 

وتُثار تساؤلات قانونية بشأن آليات تعاطي العراق مع معتقلي تنظيم داعش المنقولين من سوريا، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية محاكمتهم في حال عدم ارتكابهم جرائم مباشرة داخل الأراضي العراقية، أو ارتباط أفعالهم بساحات قتال خارج الحدود.

وفي هذا الإطار، يرى الخبير القانوني علي التميمي، أن “خيار إنشاء محكمة دولية لمحاكمة عناصر التنظيم يبقى مطروحًا من الناحية القانونية، لكنه يتطلب قرارًا من مجلس الأمن الدولي، وطلبًا رسميًا من العراق أو سوريا، إضافة إلى توفير تمويل دولي لتغطية نفقات عمل المحكمة”. 

ويبيّن التميمي، أن “القانون العراقي يمنح المحاكم الوطنية صلاحية النظر في الجرائم الإرهابية المرتكبة داخل البلاد أو تلك التي امتد أثرها إلى الأمن القومي العراقي، استنادًا إلى المواد 6 و9 من قانون العقوبات، والمادة 53 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فضلًا عن المواد 14 و15 من القانون المدني، سواء كان المتهم عراقيًا أم أجنبيًا”. 

ويتابع أن “عناصر تنظيم داعش الذين ارتكبوا جرائم خارج العراق يمكن محاكمتهم أمام القضاء العراقي في حال ثبوت أن أفعالهم شكلت تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني أو كان لها امتداد داخل البلاد”، مؤكدًا أن “مسألة تحمل تكاليف احتجازهم وتنفيذ الأحكام بحقهم يمكن أن تدرج ضمن مسؤوليات الدول التي ينتمي إليها المتهمون، باعتبارها جانبًا تنفيذيًا لا يمس جوهر الولاية القضائية”.

وخلال السنوات الماضية، تسلم العراق عشرات من عناصر تنظيم داعش الذين كانوا محتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية، وأودعهم السجون العراقية؛ في المقابل، رفضت أغلب الدول الأوروبية تسلم رعاياها المنخرطين في صفوف التنظيم، على الرغم من المطالبات المتكررة التي وجهتها بغداد، وعقد مؤتمر دولي العام الماضي خُصص لبحث ملف مخيم الهول وعناصر داعش الأجانب، دون التوصل إلى آليات ملزمة تُنهي تقاسم الأعباء أو تحدد مسؤوليات واضحة للدول المعنية. 



المصدر: العالم الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!