ويعاني القطاع الصحي من تراجع وإهمال كبيرين يضعفان دوره في تقديم الخدمات، وبين ارتفاع أسعار الوصفات الطبية وكلفة الفحص والتحاليل المخبرية وضعف خدمات المستشفيات الحكومية تتشكل ظاهرة مقلقة تتمثل في استعانة آلاف العائلات الفقيرة بالصيدليات وبعيادات المضمدين غير المرخصة بدلاً من الأطباء المتخصصين.
ولم تعد الظاهرة تقتصر على الحالات المرضية البسيطة، بل تمتد إلى أمراض مزمنة، مثل الضغط والسكري، إذ يشتري مرضى أدوية استناداً إلى نصائح غير طبية، أو يتلقون حقناً وعلاجات من دون تشخيص دقيق. وفي بعض الحلات قد يكون المستشار الصحي لهؤلاء المرضى الفقراء مضمّداً فتح عيادة غير مرخصة، أو صيدلانياً، أو من ينوب عنه في بيع الأدوية، ما قد يتسبب بمضاعفات قد يصعب تداركها.
تقول أم أحمد، وهي ربة منزل تسكن في بغداد: "توقف زوجي المصاب بمرض مزمن عن مراجعة الطبيب منذ أشهر، لأن كلفة هذه المراجعة تتجاوز 50 ألف دينار عراقي (38 دولاراً)، باستثناء التحاليل المطلوبة والأدوية، ونحن نؤمن بالكاد قوت يومنا، فكيف نستمر في تلقي العلاج؟ من هنا بتنا نعتمد على صيدلي قرب منزلنا يصف أدوية مجربة أو يغيّر العلاج بحسب توفره وسعره، ويحصل ذلك من دون إجراء فحوصات أو متابعة طبية، وهذا الخيار لا نتخذه عن قناعة، بل باعتباره اضطرارياً في ظل الظروف المعيشية القاسية السائدة".
وتؤكد عائلات فقيرة كثيرة أن أسعار الأدوية والتحاليل المخبرية ورسوم استشارة الأطباء في العيادات الخاصة تجعل كلفة الرعاية الصحية تفوق قدراتها غالباً، في حين تعاني خدمات المستشفيات الحكومية من اكتظاظ وضعف ومن عدم توفر الأجهزة الطبية الحديثة والأدوية.
ويرى مختصون أن الصيدليات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً للأطباء، لأن دورها ينحصر في صرف الأدوية استناداً إلى وصفات طبية، وليس تشخيص المرض أو تعديل الجرعات، لكن وقائع تكشف تحوّل بعض الصيدليات إلى ما يشبه عيادات صغيرة يراجعها مرضى لطلب التشخيص والعلاج. ويحذر هؤلاء من أن "هذا السلوك يوفر حلاً سريعاً، لكنه قد يؤدي إلى الاستخدام الخاطئ للأدوية، وتفاقم الحالات المرضية، وظهور مقاومة دوائية، خصوصاً في حال الإفراط باستخدام المضادات الحيوية والمسكنات القوية".
يقول الطبيب همام محمد، ان "الأخطر في الظاهرة هي عيادات المضمّدين غير المرخصة التي تقدم حقناً وعلاجات بمبالغ زهيدة نسبياً في أحياء سكنية. بعض هؤلاء المضمّدين يفتقرون إلى تدريب طبي كافٍ، ويعملون من دون إشراف صحي، ما يعرض المرضى لمخاطر التلوث والتشخيص الخاطئ والجرعات غير المناسبة".
وما يعزز هذه المخاوف تكرر الحوادث والمضاعفات المرضية. ويقول أبو حسين، وهو عامل بناء يعيش في محافظة ديالى: "تلقى ابني حقنة من أحد المضمّدين لعلاج التهاب بسيط، لكنها تسببت في مضاعفات استدعت نقله إلى المستشفى". ويضيف: "لو امتلكنا إمكانات مالية كنا سنتجنّب المخاطرة بحياة أبنائنا، لكن مراجعة الأطباء والفحوصات تحتاج إلى مبالغ خيالية تفوق قدرتنا".
ويؤكد الناشط في مجال الصحة المجتمعية باسل الشيخلي، أن "الكلفة المرتفعة للفحص والعلاج أصبحت عاملاً مباشراً في تفاقم الأمراض، وساهم غياب الرقابة على الممارسات الطبية غير النظامية وضعف التوعية الصحية في ترسيخ هذه الظاهرة. استمرار الاعتماد على حلول غير طبية سيرفع معدلات المضاعفات الصحية، ويزيد الضغط على المستشفيات الحكومية، كما سيؤدي إلى خسائر بشرية يمكن تجنّبها عبر توفير رعاية صحية ميسرة ومنظمة".
بدورها، تحذر نقابة الأطباء من خطورة اللجوء إلى الصيدليات والمضمّدين غير المرخصين كبدائل للأطباء، ويشدد عضو النقابة محسن إسماعيل، على أن "تشخيص الأمراض ووصف العلاجات يجب أن يُحصرا في أطباء مؤهلين ذوي دور أساسي في حماية صحة المرضى ومنع المضاعفات".
ويدعو إسماعيل الجهات المعنية إلى "تشديد الرقابة على الممارسات غير القانونية وتنظيم عمل المضمّدين وتحجيم دور الصيادلة، وأيضاً إلى دعم القطاع الصحي الحكومي كي يستطيع استيعاب المرضى، ويقدم خدمات مجانية أو منخفضة الكلفة للفئات الهشة. تعكس الظاهرة أزمة أعمق من كونها مجرد خلل صحي، فهي نتيجة مباشرة للفقر وتراجع منظومة الحماية الصحية، وحين يصبح العلاج امتيازاً ويصعب الحصول عليه يتحوّل المرض إلى مصير مفتوح على المخاطر".
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!