RSS
2026-02-11 11:37:39

ابحث في الموقع

حكومة الحد الأدنى

حكومة الحد الأدنى
بقلم: مقتدى عثمان - باحث في الشأن السياسي

في الأنظمة السياسية غير المستقرة الاختيار لرئيس الوزراء لا يكون عبر آليات الفرز الذكية (المرشح الأكثر تصويتً) لا بل هذه الآلية لا تسأل: من هو الذي يستحق؟ بل تسأل: من هو الذي يعطي للنظام السياسي شرعية البقاء والتوازن؟

الكتل السياسية لا تتفاوض لإنتاج قائد أكفى، بل قائد يقلل الخسائر المتبادلة للكتل، وكل كتلة تطرح مرشحها ثم تتنازل عنهُ بعد ان دخل الى مختبر التوافقية، من أجل إرباك منظومة الكتل ومع كل جولة تنازل تنخفض طاقة القرار (وتقل الخيارات) الى أن يظهر شخص لا يمثل الكتل ولا يمتلك برنامج حكوميًا، بل يمثل نقطة التقاء الحد الأدنى للجميع.

هذا السياق هو من ساهم ببناء المعادلة التوافقية بين الكتل ليكون ناتج مرضي للجميع الكتل متجاوزًا كل الأحلام والرؤى البعيدة للشعب وهكذا يتكرس نموذج «أفضل السيئين» بوصفه نتيجة بنيوية، لا خيارًا سياسيًا واعيًا.

الحد الأدنى من التوافقات + نقطة الالتقاء بين الكتل + أقل المرشحين إثارة للاختلال = رئيس الوزراء.

في المقابل فإن «أفشل الناجحين» يستبعدون ليس لأنهم غير صالحين، بل لأنهم يمتلكون قابلية تغيير قواعد اللعبة النظام لا يرفضهم أخلاقيًا بل وقائيًا فهو لا يحتمل من سبق أن اصطدم به، وتعلم آلياته، وحدد نقاط ضعفه.

بهذا المعنى يتحول النظام السياسي إلى نظام يعيد إنتاج ذاته بناءً على التوافق وليس الفائز فإن اختيار رئيس الوزراء في الدورات المتعاقبة لم يكن فعل تأسيس بقدر ما كان إجراء صيانة للنظام فالمنصب لا يمنح لمن يمتلك القدرة على إعادة ترتيب السلطة، بل لمن يستطيع إطالة عمرها ومنحها شرعية الاستمرار ومع كل دورة يعاد إنتاج النمط ذاته: رئيس حكومة ناتج عن التوافق، محدود القرار محكوم بسقوف غير مكتوبة ووظيفته الأساسية إدارة التوازنات لا كسر الاختلال.

هكذا يصبح المنصب أداة ضبط لا أداة تغيير والاختيار جاء استجابة لحاجة النظام إلى البقاء لا لحاجة المجتمع إلى التحول والنتيجة النهائية ليست فشل الحكومات بقدر ما هي نجاح منظومة كاملة في تجديد نفسها بأسماء مختلفة، حتى وإن كان الثمن تعطيل مشروع بناء الدولة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!