العدالة والإصلاح كفتا ميزان أحداهما توازن الأخرى، العدالة تفصل لتحدد المسؤوليات وتحمي النظام القانوني، والإصلاح يجمع ليعيد البناء ويمنع التفكك المستمر، ليحقق التوازن القائم على الحزم والرحمة، وقانون الجمع والفصل او التركيب والتفكيك لا يحكم العدالة الإصلاحية فحسب بل يحكم الكون كله بمستوياته المادية والمعنوية من اصغر الجسيمات الى أعظم الأفكار والمشاعر، فالمادة مثلاً في منظورها الفيزيائي والكيمائي هي نتيجة جمع ذرات وعناصر مختلفة (اتحاد الهيدروجين والأكسجين لتكوين الماء) وعندما ينتهي عمر المركب يحدث له فصل أو تفكك لتعود العناصر الى طبيعتها الأولى.
والكون والنجوم في المنظور الفلكي تولد من تجمع الغبار الكوني والغازات بفعل الجاذبية، وتستمر في الحياة عبر الاندماج النووي ثم تنفجر (فصل) في نهاية عمرها وتتشتت مكوناتها في الفضاء, وكذلك الحياة في منظورها البيولوجياذ يتكون الخلق من جمع سلاسل جينيه محدودة (الحمض النووي) ويحدث التكاثر بنسخ وانفصال هذه السلاسل، وتولد الكائنات الحية من تجمع عناصر غذائية وعضوية، وتنتهي حياتها بالموت حيث تتحلل وتنفصل، كذلك الافكار، فالعقل البشري يفهم الافكار المعقدة بتفكيكها (فصل) الى اجزاء بسيطة ثم يربط (جمع) بينها لإنتاج استنتاجات جديدة, والابداع ما هو الا جمع لأفكار قديمة متفرقة بطريقة جديدة، أو فصل فكرة معقدة الى اجزاء بسيطة لفهما وتطويرها، والعلاقات الانسانية ايضا تقوم على قانون الجمع والفصل فالمجتمعات تنشأ من تجمع الأفراد بناءً على ظروف أو مصالح مشتركة, وتتفكك أو تنفصل عند تغير هذه الظروف، فالكون كله في حركة ديناميكية مستمرة، فكل شيء يندمج ليخلق كياناً جديداً، أو ينفصل ليسمح ببدء دورة جديدة، والمهم ان الجمع والفصل تارة يكون بفعل الانسان وتارة اخرى يكون بفعل غيره، فالصانع والزارع والبناء والناقل... الخ يجمع عناصر ويفصلها لينتج ما يهدف اليه، فالزارع مثلاً يجمع عناصر معينة - الماء والبذر والتربة في مناخ معين– ثم يقوم بفصل ناتج زرعه، وهكذا العمل في نظام العدالة الاصلاحية حيث يركز على اصلاح الضرر الناجم عن الجريمة او الفعل غير المشروع بصفة عامة بتطبيق قانون الجمع والفصل من خلال آليات التعامل مع أطراف الدعوى والفعل غير المشروع لتهيئة بيئة اصلاحية, تبدأ بالعملية الاولى وهي عملية التفكيك او الفصل بهدف فهم الجريمة ودوافعها وذلك من خلال التدرج في مراحلهابدأً من مرحلة تفكيك النظرة الى الجريمة من كونها مجرد مخالفة للنص القانوني الى كونها تشكل ضرر مادي ومعنوي اصاب اشخاصاً حقيقين وعلاقات انسانية معينة، ومن ثم تليها مرحلة تفكيك النزاع بعزل الاسباب الجوهرية للجريمة بما فيها من دوافع نفسية او ظروف اجتماعية او عوامل بيئية...الخ لفهم لماذا حدث الفعل، بدلاً من على ماذا حدث، ثم مرحلة الفصل المؤقت للأطراف قبل مواجهة بعضهم البعض، بفصل المجني عليه او المدعين بالحق الشخصي عن الجاني لإتاحة مساحة آمنة لكل منهما، يُمنح فيها الضحية وقتاً للتعافي والتعبير عن احتياجاته، ويمُنح فيها الجاني فرصة لمراجعة سلوكه والاعتراف بمسؤوليته دون اكراه. ومن ثم الانتقال الى العملية الثانية وهي عملية الجمع او التركيب او اعادة البناء وهي تمثل نقطة جوهريةً وهدفاً اسمى للعدالة الاصلاحية، وتبدأ بجمع اطراف القضية ( النزاع ) من خلال تنظيم مواجهات مباشرة وآمنة بهدف منح الضحية صوتاً للتعبير عن طلباته ويقدم الجاني اعتذاره ويتحمل مسؤوليته، ثم تركيب الحلول بتنظيم اتفاقية اصلاحية حيث الحكم لا يفرض او يصدر بصورة مجردة بل يصدر نتيجة تركيب وصياغة الحلول بشكل مشترك بين الضحية والجاني والمجتمع، بعد ذلك تأتي مرحلة اعادة الدمج والتركيب المجتمعي لكل من الضحية والجاني, للضحية بدمجها في المجتمع من خلال معالجة الصدمة النفسية وإعادة شعورها بالأمان والكرامة ومثال ذلك ما نصت عليه قوانين الاتجار بالبشر بخصوص ضحايا الاتجار، وللجاني بدلاً من عزله تسعى العدالة الاصلاحية الى اعادة تركيب هويته كمواطن صالح ومسؤول، واعادة دمجه في النسيج الاجتماعي لمنع العودة للجريمة وذلك من خلال تطبيق نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية كالعمل لخدمة المجتمع، والغرامات البديلة وفقا لما نصت عليه بعض قوانين العقوبات ومنها قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل مع منح القضاة سلطة تقديرية اوسع في استبدال العقوبات قصيرة المدة ببدائل إصلاحية حديثة تحقق العدالة والمنفعة المجتمعية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!