RSS
2026-10-21 12:38:48

ابحث في الموقع

حرية التعبير في الفضاء الرقمي

حرية التعبير في الفضاء الرقمي
بقلم: القاضي عماد عبد الله

أصبح الفضاء الرقمي في العصر الحديث جزءاً أساسياً من الحياة العامة، ووسيلة رئيسية للتواصل وتبادل المعلومات والأفكار وممارسة مختلف أشكال التعبير عن الرأي، الأمر الذي جعل حرية التعبير في البيئة الرقمية امتداداً طبيعياً لحرية التعبير التي أقرتها المواثيق الدولية والدساتير الوطنية.

وتكتسب هذه الحرية أهمية خاصة في تعزيز المشاركة المجتمعية ونشر المعرفة وتبادل الآراء والمساهمة في بناء الوعي العام، إلا أن ممارستها، شأنها شأن سائر الحقوق والحريات، ينبغي أن تتم في إطار من المسؤولية والالتزام بالقواعد القانونية التي توازن بين حق الفرد في التعبير وحقوق المجتمع والأفراد الآخرين.

وقد أكدت المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق الإنسان في اعتناق الآراء والتعبير عنها وتلقي المعلومات والأفكار ونقلها بمختلف الوسائل، كما كفل الدستور العراقي لعام 2005 في المادة (38) حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة والإعلام والنشر، بما يؤكد المكانة الدستورية والقانونية لهذا الحق. غير أن حماية حرية التعبير لا تعني انفصالها عن المسؤولية، إذ إن ممارسة الحقوق يجب أن تراعي القوانين النافذة، وتحترم حقوق الآخرين وسمعتهم وخصوصيتهم، وتحافظ على النظام العام والآداب العامة والمصالح الأساسية للمجتمع.

ومن هذا المنطلق، فإن الفضاء الرقمي ينبغي أن يكون مجالاً للحوار البنّاء وتبادل الأفكار والآراء المختلفة، مع الالتزام بعدم استخدامه في ارتكاب الأفعال التي يجرمها القانون، كالتشهير والابتزاز والتهديد ونشر المعلومات الكاذبة بقصد الإضرار بالآخرين أو المساس بحقوقهم.

كما أن احترام الضوابط القانونية لا يتعارض مع جوهر حرية التعبير، بل يسهم في تنظيم ممارستها وضمان استمرارها بصورة متوازنة ومسؤولة. ويقتضي ذلك أن تكون القيود التي ترد على ممارسة حرية التعبير محددة بالقانون ومرتبطة بغاية مشروعة، وأن يكون تطبيقها في الحدود اللازمة لحماية النظام العام والآداب العامة وحقوق الآخرين، مع مراعاة مبدأ التناسب وعدم تجاوز الغاية التي شرعت من أجلها. وتبرز هنا أهمية دور القضاء في حماية الحقوق والحريات وتحقيق التوازن بين حرية الفرد في التعبير وبين المصالح التي يحميها القانون، إلى جانب أهمية نشر الثقافة القانونية والوعي الرقمي لدى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بما يعزز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.

كما أن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده، وإنما تشمل المؤسسات ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، من خلال تشجيع المحتوى الهادف واحترام الخصوصية والحقوق الأساسية. وبذلك فإن حرية التعبير في الفضاء الرقمي تمثل حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، ولا تتعارض حمايتها مع احترام القانون والنظام العام والآداب العامة، بل إن العلاقة بين الحرية والمسؤولية هي التي تضمن ممارسة هذا الحق بصورة متوازنة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوق المجتمع وتدعم الحوار والتعددية، بما يسهم في بناء فضاء رقمي آمن ومسؤول يقوم على احترام القانون وقيم المجتمع وحقوق جميع أفراده.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!