RSS
2026-05-19 14:40:51

ابحث في الموقع

هل يصنع الاستقرار دولة المواطنة أم توازن الحصص؟

هل يصنع الاستقرار دولة المواطنة أم توازن الحصص؟
بقلم: د. أحمد فاتح محمد

في كل مرة أتابع فيها ولادة حكومة جديدة في بغداد، أجدني أعود بالذاكرة إلى كتب التاريخ وقصص هذه المدينة العريقة التي يمتزج على أرصفتها صخب الناس بوقار القصور. واليوم، مع صعود حكومة السيد علي الزيدي، لا تبدو الحكاية مجرد تبديل وجوه في ممرات السلطة، بل هي فصل متجدد من فصول البحث العراقي المضني عن توازن حقيقي يربط بين نسيج المجتمع الحيوي وبنية الدولة القانونية.

إن القراءة الهادئة في جينات هذه الحكومة تكشف عن توليفة تجمع بين حسابات النخبة السياسية التقليدية التي تبحث عن أمانها، وبين تحولات اجتماعية عميقة فرضتها لغة الواقع؛ فالشارع العراقي اليوم، بنَفَسه التقدمي والشبابي، يركز تطلعاته نحو دولة المؤسسات، والخدمات، والمواطنة العابرة لخنادق المكونات. ومن هنا، جاءت الحكومة محكومة بوعي جديد أدركت فيه النخب أن استقرار المجتمع وتماسكه يتطلبان الخروج من الدوائر الحزبية المغلقة نحو فضاء الأداء الوطني الشامل، والالتزام ببرنامج إصلاحي يمس خبز الناس ويومياتهم بشكل مباشر.

غير أن المتغير الأبرز في هذه المعادلة هو تشكيل “تحالف الأقوياء”، والذي جاء بالتحليل البنيوي والموضوعي وليد سياقات معقدة و”خناقات” حادة طفت على سطح التحالفات السابقة، لا سيما بعد أن تعثر مرور المرشحين في مطبخ الحقائب الوزارية، واستعصت الحلول التقليدية في حسم الوزارات السيادية. هذا الانسداد دفع القوى السياسية نحو قراءة براغماتية اضطرارية، أدت إلى إعادة إنتاج مشهد الشراكة بصيغة مكررة لمنطق التوازنات وتقاسم الحصص المعهود، ولكن بغطاء جديد فرضته الرغبة في العبور من مأزق الجمود وتأمين الاستقرار التشريعي.

في علم الاجتماع السياسي، تصبح هذه التكتلات – رغم جذورها القائمة على تفكيك الخلافات الفئوية وتأمين المغانم – بمثابة “الكتلة الحرجة” اللازمة لمنح السلطة التنفيذية غطاءً نيابياً صلباً، وصمام أمان لتمرير التشريعات المعطلة في أدراج البرلمان، من قوانين التنمية والإعمار إلى إصلاحات الإدارة وتطوير الوظيفة العامة.

التحدي الحقيقي والامتحان الأكبر أمام رئيس الوزراء يتلخص في استثمار هذا التوافق، القائم على إدارة الخلافات والمصالح المشتركة، وتحويله إلى رافعة تاريخية لتعزيز التماسك الاجتماعي، وفرض سيادة القانون، وتحويل هذا الفائض من الاستقرار السياسي إلى مشاريع تنموية ملموسة تعيد ترميم الطبقة الوسطى وتفتح آفاق الأمل للشباب العراقي في مستقبل مستقر ومضمون.

يقف العراق اليوم أمام فرصة حقيقية لصياغة مسار جديد ينطلق من عمقه الحضاري؛ وحكومة الزيدي، التي ولدت من رحم المعاناة والقراءة الواعية للواقع، أمامها طريق ممهد بالدعم البرلماني والقبول الاجتماعي للعبور نحو “دولة المواطنة الكاملة”. فالفيصل في هذه المرحلة ليس في عقد الصفقات، بل في تحويل الاستقرار السياسي المتاح عبر هذا التحالف إلى منجز اجتماعي مستدام، وبناء مؤسسات راسخة تليق ببغداد وتضمن لبلاد الرافدين مستقبلاً آمناً ورصيناً.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!