RSS
2026-02-01 18:41:33

ابحث في الموقع

قراءة في بيان "النزاهة" حول استرداد 17 مليون دولار

قراءة في بيان "النزاهة" حول استرداد 17 مليون دولار
بقلم: نور جواد الدليمي

في ظل مشهد تتسارع فيه الجرائم المالية وتتجاوز الحدود بكفاءة التكنولوجيا الحديثة، يأتي بيان هيئة النزاهة باسترداد أكثر من 17 مليون دولار عبر تنسيق قضائي ورقابي دولي، كإشارة واضحة إلى أن العراق بدأ أخيراً يغيّر قواعد اللعبة، في خطوة لا تمثل مجرد رقم مالي، بل تحولاً نوعياً في منهج الملاحقة واستعادة الأموال المنهوبة. هذا الرقم يختزل خلفه شبكة أدوات، واتفاقيات، وتقنيات تتفاعل معاً لتمنح العراق قدرة لم تكن متاحة بهذا الاتساع والسرعة قبل سنوات قليلة.

رقم يحمل خلفه بنية كاملة من الملاحقة الدولية

إن استعادة أكثر من 17 مليون دولار تعني أن الجهود لم تعد محلية أو فردية أو مرهونة ببطء المخاطبات الورقية، بل أصبحت جزءاً من منظومة دولية متكاملة. إن تفعيل المسارات القانونية عبر الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف، وإسناد الملفات بأدلة رقمية قابلة للتتبع، والتعاون مع المؤسسات القضائية خارج العراق، شكلت معاً بنية متماسكة سمحت بملاحقة الأموال حتى لحظة تجميدها وإعادتها. لم تعد الأموال النائمة في حسابات أجنبية بعيدة، أو التي تتنقل عبر مصارف متعددة، عصية على المتابعة كما كانت في السابق، بل أصبحت ضمن عين رقابية لا تترك التفاصيل للصدف.

نافذة مراقبة مفتوحة على العالم

توسيع التعاون مع شبكة العمليات العالمية أوجد للعراق قدرة على الدخول في المسارات التي تمر عبرها التحويلات المالية المشبوهة. هذه الشبكة ليست جهازاً أو منصة واحدة، بل عالم كامل من المعلومات التي تتشارك فيها الدول لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ما يعنيه بيان النزاهة هو أن العراق أصبح جزءاً فاعلاً من هذا العالم، لا متلقياً للمعلومات فحسب، بل مشاركاً في إنتاجها ومتابعتها. بات بإمكان الجهات العراقية أن تحصل على إشارات تحذيرية مبكرة، وتشفير كامل لمسار المال، ومعلومات دقيقة قبل انتقال الأموال إلى وجهاتها التالية، ما يضيّق مساحة المناورة التي تعتمد عليها عمليات التهريب.

التحول من رد الفعل إلى الرقابة الآنية

أما الانضمام الفعّال لنظام الأمم المتحدة GOAML فهو يمثل انتقالاً من الرقابة الورقية المتأخرة إلى الرقابة اللحظية. هذا النظام صُمّم ليكون منصة عالمية لتلقي البلاغات المالية المشبوهة ومعالجتها دون تأخير. وبمجرد دخول العراق فيه، أصبحت أية عملية مصرفية لافتة أو غير معتادة قابلة للتحليل الفوري، وهذا يكشف أن الرقابة لم تعد تعتمد على موظف يبحث في أرشيف، بل على خوارزميات تراقب وتستنتج وتتحرك دون انتظار. وهنا تكمن نقطة التحول: فالمتابعة لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل قبل اكتمالها.

بوابة أور: رابط يختصر المسافة والزمن

إن الإشارة إلى فتح نوافذ عبر بوابة “أور” يؤكد أن العراق يتجه نحو تكوين شبكة وطنية ودولية موحدة تربط الجهات الرقابية والتحقيقية. هذه البوابة لا تعمل كأداة مراسلات إلكترونية، بل كنظام متكامل لربط المعلومات بين المؤسسات المحلية والدول الأجنبية، بحيث تنتقل البيانات الحساسة بين الجهات المعنية دون مسار بيروقراطي بطيء. وللمرة الأولى باتت دورة المعلومات تسير في مسارات واضحة وسريعة، ما يقلل من فرص الإخفاء، ويزيد من قدرة الجهات الرقابية على اتخاذ قرارٍ قائم على بيانات صلبة.

بناء عقل رقمي للملاحقة الماليّة

حين تذكر الهيئة أنها فعّلت I-CASS و12N، فإنها تعلن انتقالاً إلى أنظمة تحليل آني تُسهم في بناء “عقل رقمي” للرقابة. هذان النظامان يسمحان بتجميع البيانات المالية والتحقيقية، ومقارنتها، وتحليلها بشكل متزامن مع حركة الأموال محلياً ودولياً. لم تعد التحقيقات تبدأ من الصفر مع كل ملف، بل أصبحت تستند إلى قواعد بيانات متصلة، وتاريخٍ مالي كامل، وتتبع لحظي يتيح رسم خريطة واضحة للجهات المرسلة والمستلمة والمستفيدة. هذه الأنظمة تقلل الأخطاء البشرية وتغلق الثغرات التي طالما استغلها المهربون.

قواعد بيانات الإنتربول

تشير الهيئة كذلك إلى تفعيل الربط مع قواعد بيانات الإنتربول، وهو ما يعني أن العراق لم يعد بحاجة لانتظار مخاطبات طويلة أو إجراءات متعبة لإصدار أوامر قبض دولية. الربط المباشر يجعل من الممكن تعقب الهاربين، وتحديد أماكن وجودهم، وتجميد تحركاتهم المالية والإدارية بسرعة. إن التعاون مع الإنتربول يضع الهارب في دائرة ضيقة، ويمنع فكرة “الهروب الآمن” التي اعتمدها كثيرون في الماضي.

ما الذي يجب أن يفعله العراق بعد كل هذه الخطوات؟

إن ما أعلنته هيئة النزاهة يمثل تطوراً مهماً، لكنه لا يزال في بدايته، وما يجب أن يتخذ لاحقاً قد يكون أكبر مما تحقق. فمن المهم الانتقال نحو بناء شبكة وطنية موحدة للبيانات المالية تضم المصارف الحكومية والأهلية، وتسهيل تبادل المعلومات بين القضاء والجهات الرقابية والمؤسسات المعنية الاخرى. كما يجب تعزيز آليات تتبع الملكيات الحقيقية للأموال، وتحديث التشريعات لمنع استخدام الشركات الوهمية، وتكثيف التعاون مع وحدات الرقابة المالية في العالم، بالإضافة إلى توسيع سلطة الجهات الرقابية في الوصول للمعلومات عبر منصات رقمية مؤتمتة بالكامل.

إن العراق أمام فرصة تاريخية لقطع الطريق على شبكات الفساد المالي، وكل خطوة تقنية أو قانونية إضافية ستكون جزءاً من منظومة أكبر تستعيد ما ضاع وتحمي ما هو آتٍ. وإذا كانت العودة بـسبعة عشر مليون دولار قد فتحت الباب، فإن الأبواب الأوسع تنتظر جهوداً مستمرة واستثمارًا أكبر في التكنولوجيا والقانون والحوكمة الرصينة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!