تهديد النظام البرلماني
ويقول الكاتب والصحفي سامان نوح، إن “اختيار أي شخصية لتولي رئاسة الحكومة يفترض أن يكون ضمن مسار العملية الانتخابية بكل متطلباتها المعروفة، باعتبار أن النظام في العراق هو نظام برلماني”، مبيناً أن “تجاوز هذا المسار يمثل نوعاً من خرق الدستور وتهديداً للنظام البرلماني القائم”.
ويضيف، أن “الكثير من العراقيين، منذ احتجاجات 2019 وما قبلها وما بعدها، طالبوا باختيار الشخص الأول في الدولة عبر الاقتراع المباشر وإجراء تعديلات دستورية بهذا الاتجاه”، موضحاً أن “الإتيان بشخصيات لم تشارك في العملية الانتخابية ولم تكن جزءاً من العملية السياسية يعني أنها لم تحصل على ثقة الشعب، وبالتالي كيف يمكن الوثوق بمخرجات مثل هذه العملية؟”.
سياسة الصفقات
ويرى نوح أن “الأصل في العمل الديمقراطي هو اختيار شخصيات يمكن محاسبتها في حال فشلها”، معتبراً أن “التفاف الإطار التنسيقي على هذا المسار يعكس حجم الفوضى وعدم الاتفاق داخل الإطار، فضلاً عن استمرار سياسة الصفقات في الغرف المغلقة”.
ويتابع، أن “النظام البرلماني في العراق بني على أساس انتخاب أحزاب تمتلك برامج واضحة ومعلنة، ومن خلالها يمنح الناخب ثقته أو يرفضها”، لافتاً إلى أن “اختيار شخصيات من خارج هذا الإطار يهدد المسار الذي بنيت عليه الدولة العراقية”.
استغلال النفوذ
وفي ما يتعلق بملف تضارب المصالح، يوضح نوح أن “المخاوف تتزايد عندما تأتي شخصية من عالم المال لتقود الدولة، إذ قد تتمكن من استغلال إمكانات الدولة وموقعها التنفيذي لخدمة مصالحها الخاصة بما يضر بمصلحة البلد”.
ويؤكد، أن “الدول الديمقراطية المتطورة تمتلك قوانين صارمة تمنع استغلال المناصب العليا من قبل أصحاب الشركات والنفوذ المالي”، مشيراً إلى أن “العراق لا يمتلك تجربة حقيقية طويلة في هذا المجال، كما أن المال السياسي يلعب دوراً كبيراً في دعم بعض القوى السياسية”.
تضارب المصالح
ويعتقد الكاتب والصحفي، أن “وجود شركات تمتلك عقوداً ضخمة ومثبتة مع الدولة يفتح الباب أمام تضارب مصالح واضح، ما لم يعلن رئيس الوزراء انشقاقه الكامل عن هذه الشركات، مع وجود رقابة صارمة ودقيقة تبعدها عن أي نفوذ مباشر أو غير مباشر”.
ويشدد نوح على أن “المسار الدستوري الديمقراطي الصحيح يتمثل بتنافس القوى السياسية داخل البرلمان واختيار شخصيات من الصف الأول يمكن محاسبتها عند الإخفاق”، مبيناً أن “إتيان النخبة السياسية بشخصيات غير ممثلة انتخابياً سيجعل من الصعب محاسبة الجهات التي جاءت بها، لأنها ستتنصل من المسؤولية لاحقاً”.
ويختتم بالقول، إن “الطريقة الصحيحة هي أن يقوم الحزب الفائز بالانتخابات بتشكيل الحكومة، وفي حال فشله تتم محاسبته عبر الاقتراع الشعبي، أما خلاف ذلك فهو تهرب من المسؤولية وتوزيع لها بين أطراف متعددة، بما يهدد العملية الديمقراطية برمتها”.
السيادة الشعبية
ومع استمرار الجدل بشأن آلية تكليف مرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الوزراء علي الزيدي، أبدت “مبادرة عراقيون”، التي تضم نحو 80 شخصية سياسية وأكاديمية وثقافية، قلقها من مسار تشكيل الحكومة الجديدة وطريقة اختيار المرشح المكلف.
وقالت المبادرة، في بيان يوم الأربعاء الماضي، إن طريقة وطبيعة التكليف شكلتا مساساً بالسيادة الشعبية والنظام الديمقراطي، معتبرة أن اختيار شخصية من خارج الفضاء الانتخابي يفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، ويحولها إلى “صفقات غرف مغلقة” تفتقر للتفويض الشعبي والشرعية السياسية.
وأضافت، أن ما رافق مسار التكليف من تجاوز للتوقيتات الدستورية أدى إلى إصابة مؤسسات الدولة بالشلل، من دون مراعاة لمعايير الخبرة والكفاءة، في تكرار لنهج يعكس الاستخفاف بالالتزامات الدستورية، وتغليب المصالح الفئوية على حساب المصلحة الوطنية العليا.
وفي محورٍ اخر، حذرت المبادرة من تضارب المصالح وخرق القوانين، معتبرة أن تكليف شخصية تمتلك شركات متعاقدة مع الحكومة قد يخلق حالة “تضارب مصالح” تعيق حيادية واستقلالية المنصب التنفيذي الأرفع.
ونبهت إلى أن التكليف يتعارض مع المادة 127 من الدستور، التي تحظر على كبار المسؤولين استغلال مناصبهم في أنشطة تجارية، كما يخالف المادة 20 من قانون هيئة النزاهة رقم 30 لسنة 2011، نظراً لامتلاك المرشح وعائلته شركات متعاقدة مع الحكومة.
ورغم رفضها آلية التكليف، أكدت المبادرة أنها لا تستهدف شخصية المكلف، بل تتمنى من الدافع الوطني أن يتكلل كل تكليف بالنجاح، ولا سيما في ما يتعلق بمعالجة الأزمات المستعجلة، داعية الكتل السياسية إلى التخلي عن نهج المحاصصة والمغانم واتخاذ القرارات الوطنية الصعبة بعيداً عن المصالح الفئوية.
ازدواجية المواقف
وحملت المبادرة الإطار التنسيقي والكتل المشاركة في الحكومة المسؤولية السياسية والقانونية الكاملة عن النتائج والقرارات التي ستصدر عن الحكومة المقبلة، مؤكدة أن ما يتحقق من نجاح أو إخفاق سيكون انعكاساً حتمياً لخيارات القوى التي شكلتها.
وشددت على رفض ازدواجية المواقف، إذ إن الاعتراض على القرارات السيادية مستقبلاً يقتضي موقفاً واضحاً يتمثل في الانسحاب من الحكومة أو السعي إلى سحب الثقة منها، بدلا من التنصل من نتائج مسارات مهدت إليها تلك القوى، وهو ما لا يعفيها من المسؤولية إلا بإعلان هذا الموقف صراحة.
المسار الدستوري
من جهته، يقول الخبير القانوني علي التميمي، إن “ملف تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً يعد من المواضيع الحساسة جداً”، مبيناً أن “المادة 76 من الدستور العراقي جاءت بصيغة مطلقة ولم تحدد بشكل تفصيلي طبيعة أو مواصفات الشخص المكلف”.
ويضيف، أن “المادة 76 لم تنص على شروط خاصة بالمكلف سوى الشروط العامة المتعلقة بأي مسؤول تنفيذي، مثل العمر الذي لا يقل عن 35 عاماً، وألا يكون محكوماً أو مشمولاً بإجراءات المساءلة والعدالة”، موضحاً أن “مسألة اختيار رئيس الوزراء لا ترتبط بالضرورة بكونه من صلب الكتلة الأكبر، إذ قد يكون مرشح تسوية”.
كلمة الفصل
ويشير التميمي إلى أن “الكلمة الفصل في هذا الملف تبقى للبرلمان”، لافتاً إلى أن “المادة 76 بفقراتها الخمس تحدثت عن تقديم المنهاج الحكومي والكابينة الوزارية إلى مجلس النواب، وفي حال التصويت عليهما يتم تمرير الحكومة بشكل رسمي”.
ويوضح، أن “أي اعتراض يتعلق بشخصية المكلف أو قدرته على أداء مهامه أو وجود شبهات فساد بحقه، يبقى من صلاحية البرلمان الذي يقرر ذلك عبر التصويت”.
ويبين التميمي، أن” المحكمة الاتحادية، وفق قانونها والدستور ونظامها الداخلي رقم 1 لسنة 2025، تبقى أبوابها مفتوحة أمام أي جهة ترغب بتقديم دعوى أو طعن”، مؤكداً أن” القول الفصل قانونياً يعود للمحكمة الاتحادية”.
ويؤكد أن” الحسم النهائي في قبول المرشح أو رفضه يبقى بيد البرلمان، لأن رئيس الوزراء المكلف يحتاج إلى تصويت 166 نائباً لنيل الثقة، وفي حال عدم حصوله على هذا العدد فإن رئيس الجمهورية يتجه إلى تكليف مرشح اخر”.
ودعت “مبادرة عراقيون” الأكاديميين والنشطاء والإعلاميين وجميع المهتمين بالشأن العام إلى رفض اليات اختيار المرشحين للمناصب السيادية التي تنتهجها الكتل السياسية وفق أسلوب الصفقات، والعمل على تسليط الضوء على الخروقات الدستورية والقانونية، والدفاع عن الآليات الديمقراطية التي نص عليها الدستور، بوصفها مساراً لبناء الدولة العراقية الحديثة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!