تبدو عبارة «حصرية السلاح بيد الدولة»، في ظاهرها، مبدأً بديهياً من مبادئ الدولة الحديثة. فهي تستدعي فوراً صورة النظام في مواجهة الفوضى، والقانون في مواجهة الاحتراب الأهلي، والمؤسسة العامة في مواجهة العصبيات والجماعات الخاصة. غير أنّ هذه البداهة تخفي وراءها تاريخاً فلسفياً وسياسياً معقّداً. فاحتكار الدولة للعنف لم يكن يوماً حقيقة طبيعية، ولا حكماً أخلاقياً مطلقاً، بل كان بناءً تاريخياً نشأ في سياق مخصوص: صعود الدولة الأوروبية الحديثة، وتفكّك البنى الإقطاعية، والحروب الدينية، وتوسّع البيروقراطية، وظهور الجيوش النظامية، ثم تحوّل الدولة إلى الإطار الأعلى لتنظيم المجتمع والسيادة.
لذلك، لا يكفي أن نقول إنّ الدولة وحدها تملك حقّ السلاح، بل ينبغي أن نسأل: أي دولة؟ وبأي شرعية؟ وفي أي سياق؟ وهل تمتلك هذه الدولة سيادة فعليّة، أم مجرّد شكل قانوني؟ وهل تحتكر السلاح لكي تحمي الوطن، أم لكي تمنع المجتمع من حماية نفسه؟ وهل يكون نزع السلاح خارج الدولة دائماً خطوة نحو بناء الدولة، أم قد يكون أحياناً تجريداً للمجتمع من قدرته على الدفاع في لحظة عجز الدولة أو تبعيّتها أو تواطئها؟
إنّ النقد الجادّ لمفهوم «حصرية السلاح» لا يعني تمجيد الفوضى، ولا الدفاع عن السلاح الأهلي أو الفئوي أو الميليشيوي. لكنه يرفض تحويل الدولة إلى صنم سياسي، ويرفض اختزال الدفاع عن الوطن في جهاز رسمي قد يكون عاجزاً أو مخترقاً أو فاقداً لقرار الحرب والسلم. فالدولة الحديثة تستمدّ شرعيتها من وعد الحماية. فإذا تهاوى هذا الوعد، عاد السؤال الأصلي الذي سبق الدولة نفسها: مَن يحمي المجتمع حين لا تحميه الدولة؟
أولاً: الدولة الحديثة ووعد الأمن
نشأت الفكرة الحديثة عن احتكار الدولة للعنف من خوف عميق من الحرب الداخلية. في قلب التصوّر الهوبزي [نسبة إلى توماس هوبز]، يقف شبح الفوضى: الإنسان في مواجهة الإنسان، والمجتمع بلا سلطة عليا، والخوف بوصفه الحالة الأصلية التي تدفع الأفراد إلى التنازل عن حقهم الطبيعي في استعمال القوة. عند هوبز، لا تولد الدولة من الفضيلة، بل من الرعب. الناس لا يجتمعون لأنهم ملائكة، بل لأنهم يخافون، بعضُهم من بعضهم. ولهذا تظهر الدولة بوصفها «الليفياثان»: الكيان الأعلى الذي يوقف حرب الجميع ضد الجميع، ويحوّل القوة الفردية المتناثرة إلى سلطة مركزية واحدة.
هذا التصوّر سيجد لاحقاً صياغته السوسيولوجية الأشهر عند ماكس فيبر، الذي عرّف الدولة الحديثة بأنها الجماعة السياسية التي تحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم محدّد. هنا لا تصبح الدولة مجرّد جهاز إداري، بل تصبح صاحبة الامتياز الأعلى في تعريف العنف المشروع. الشرطة، الجيش، القضاء، السجن، الحدود، الجباية، كلّها عناصر في منظومة واحدة: تحويل القوّة إلى مؤسسة، وتحويل المؤسسة إلى مصدر للشرعية.
بهذا المعنى، يمثّل هوبز وفيبر لحظتين متكاملتين في فهم الدولة الحديثة. هوبز يعطيها أساسها الفلسفي: الأمن مقابل التنازل. وفيبر يعطيها تعريفها السوسيولوجي: احتكار العنف المشروع. بينهما تتشكّل المعادلة التي ستسكن الوعي السياسي الحديث: لا أمن بلا دولة، ولا دولة بلا احتكار للقوّة.
لكن هذه المعادلة، على قوّتها، ليست بريئة ولا نهائية. فهي تفترض أنّ الدولة قادرة فعلاً على الحماية، وأنها تمثّل الجماعة السياسية، وأنّ احتكارها للعنف موجّه ضدّ الفوضى لا ضدّ المجتمع، وأنّ شرعيتها لا تنفصل عن وظيفتها. فإذا سقطت هذه الشروط، تحوّل الاحتكار من ضمانة إلى مشكلة. فالدولة التي تطلب من الناس تسليم كلّ أدوات الدفاع يجب أن تثبت أوّلاً أنها قادرة على أداء الوظيفة التي من أجلها حصلت على هذا التفويض. أمّا إذا عجزت عن حماية الحدود، أو تخلّت عن السيادة، أو صارت أداة في يد قوّة خارجية أو طبقة حاكمة أو توازن طائفي، فإنّ شعار «حصريّة السلاح» يفقد براءته النظرية.
ليست المشكلة، إذاً، في مبدأ تنظيم القوّة، بل في تحويله إلى مبدأ مطلق. فالعقد الاجتماعي، في أصله، لم يكن عقد انتحار. المواطن لا يتنازل عن حقّه في الدفاع لكي يصبح مكشوفاً أمام العدوان. والمجتمع لا يفوّض الدولة بحمل السلاح لكي تتحوّل الدولة إلى شاهد عاجز على تهديد وجوده. من هنا يبدأ النقد: الدولة ليست غاية بذاتها، بل وسيلة لحماية الجماعة السياسية. وإذا انفصلت الوسيلة عن الغاية، صار من حقّ الفكر السياسي أن يعيد طرح السؤال من أساسه.
ثانياً: الشرعية ليست مجرّد رسمية
أوّل اعتراض كبير على الاحتكار المطلق للعنف جاء من داخل الفلسفة السياسية الحديثة نفسها. فحتى في تقاليد العقد الاجتماعي، لم يكن هناك إجماع على أنّ انتقال الأفراد إلى الدولة يعني تنازلاً كاملاً ونهائياً عن حقّ المقاومة. عند جون لوك مثلاً، يدخل الناس المجتمع السياسي لا لكي يسلّموا أنفسهم لسلطة مطلقة، بل لكي يحموا حقوقاً سابقة على الدولة: الحياة، الحرّية، الملكيّة، والأمن. السلطة عنده وكالة مشروطة، لا ملكية نهائية. فإذا خالفت الدولة وظيفتها، أو تحوّلت إلى تهديد للحقوق التي قامت لحمايتها، عاد للمجتمع حقّ الاعتراض والمقاومة.
هذا التحوّل مهمّ جدّاً، لأنه يرفض مساواة الشرعية بالرسمية. قد تكون السلطة رسمية، لكنها غير شرعية. وقد تمتلك الدولة أدوات القوّة، لكنها لا تمتلك بالضرورة الحقّ الأخلاقي والسياسي في استعمالها أو منع غيرها من استعمالها دفاعاً عن المجتمع. الشرعية لا تولد من الختم الرسمي وحده، بل من العلاقة بين السلطة والحماية، بين المؤسّسة والتمثيل، بين القانون والعدل.
روسو يذهب في اتجاه آخر، لكنه يصل إلى نتيجة قريبة. فالدولة لا تكون شرعية لأنها تملك جهازاً قاهراً، بل لأنها تعبّر عن الإرادة العامّة. السيادة ليست ملكاً للحكومة، ولا للبيروقراطية، ولا للجيش، بل للشعب بوصفه جماعة سياسية. فإذا انفصلت مؤسّسات الدولة عن الإرادة العامّة، تحوّلت إلى جهاز فوق المجتمع، وربما ضدّه. عندئذ لا يعود احتكار العنف تعبيراً عن السيادة الشعبية، بل يصبح اغتصاباً لها.
أمّا حنّة أرندت، فتضيف تمييزاً بالغ الأهمّية بين السلطة والعنف. السلطة، في معناها السياسي العميق، تنبع من الفعل المشترك والاعتراف والمشاركة. أمّا العنف فهو أداة، وقد يظهر تحديداً حين تضعف السلطة. الدولة التي لا تملك إلا العنف ليست دولة قويّة بالمعنى الحقيقي، بل دولة مأزومة. لذلك، لا يكفي أن تقول الدولة إنها تحتكر السلاح لكي تكون شرعية. السؤال الأعمق هو: هل تملك سلطة فعليّة قائمة على رضى سياسي، أم أنها تعوّض فقدان السلطة بتضخيم أدوات القسر؟
من هنا يتهاوى الخلط الشائع بين الدولة والقانون والشرعية. فليست كل دولة قانونية عادلة، وليست كل قوّة رسمية مشروعة، وليست كل مقاومة خارج المؤسّسة خروجاً على السياسة. أحياناً تكون المؤسّسة هي التي خرجت على معناها، حين تحوّلت من أداة حماية إلى أداة تعطيل، أو من تعبير عن المجتمع إلى حاجز بين المجتمع وحقّه في الدفاع عن نفسه.
ثالثاً: الدفاع بوصفه فعلاً شعبياً لا وظيفة تقنية فقط
في التراث الجمهوري، لا يُنظر إلى الدفاع عن الوطن بوصفه اختصاصاً تقنياً لجهاز منفصل عن المجتمع، بل بوصفه فعل مواطنة. مكيافيللي، في نقده للجيوش المرتزقة والقوى العسكرية المنفصلة عن الجماعة السياسية، كان يرى أنّ الجمهورية الحرّة لا تُحمى بقوّة مأجورة أو منفصلة عن الشعب. لا يمكن الدفاع عن الحرّية بأدوات لا تنتمي إليها. الجيش الذي لا ينبع من الجسم السياسي قد يتحوّل إلى قوّة فوقه، أو إلى أداة في يد الحاكم، أو إلى مؤسّسة تبحث عن مصالحها الخاصة.
هذا النقد الجمهوري لا يعني رفض الجيش النظامي، بل يعني رفض تحويل الدفاع إلى شأن بيروقراطي مغلق. فحين يصبح الدفاع وظيفة جهازية بحتة، ينفصل المواطن عن واجب الحماية، وتتحوّل الوطنية إلى ولاء سلبي، وتصبح الدولة هي الفاعل الوحيد بينما يُطلب من المجتمع الانتظار والطاعة. لكن الوطن، في لحظات الخطر، لا يكون مجرّد إقليم تديره مؤسّسة؛ إنه جماعة تاريخية تدافع عن وجودها وكرامتها واستمرارها.
روسو أيضاً، من زاوية الإرادة العامّة، يربط الدفاع بالمواطنة. الشعب الذي لا يشارك في الدفاع عن حرّيته يفقد جزءاً من سيادته. فالدفاع ليس مجرّد اختصاص عسكري، بل تعبير عن كون الشعب صاحب الوطن. لهذا السبب كانت التقاليد الجمهورية تخشى من الجيوش المنفصلة عن المواطنين، لأنها قد تحمي الدولة كجهاز، لكنها لا تحمي الجمهورية كحياة مشتركة.
وهنا تظهر ثغرة خطيرة في شعار «حصريّة السلاح» حين يُطرح بمعزل عن طبيعة الدولة. فإذا كانت الدولة تمثّل الإرادة العامّة، وكان جيشها قادراً على الدفاع عن السيادة، فإنّ احتكارها للسلاح يكون تنظيماً للقوّة الشعبية داخل مؤسّسة عامّة. أمّا إذا كان الجيش مُقيّداً سياسياً، أو ممنوعاً من أداء وظيفة الدفاع، أو خاضعاً لتوازنات تمنعه من مواجهة عدوّ خارجي، فإنّ اختزال الدفاع فيه يصبح إلغاءً عملياً لحقّ المجتمع في البقاء. في هذه الحالة لا يكون السؤال: هل نريد دولة أم لا؟ بل: هل هذه الدولة القائمة تؤدّي وظيفة الدولة فعلاً؟
رابعاً: الدولة كأداة هيمنة لا ككيان محايد
جاء النقد الماركسي ليكسر الصورة المثالية للدولة بوصفها حكماً محايداً بين الجميع. عند ماركس وإنغلز، الدولة ليست كائناً فوق المجتمع، بل هي في كثير من الأحيان تكثيف لعلاقات القوّة داخله. إنها جهاز يعكس توازنات طبقية، ويحمي شكلاً مُعيّناً من الملكيّة والهيمنة. لذلك لا يمكن التعامل مع احتكار الدولة للعنف كأنه احتكار محايد. يجب أن نسأل دائماً: مَن يسيطر على الدولة؟ لمصلحة مَن تعمل؟ أي طبقة أو تحالف اجتماعي أو سياسي يستفيد من عنفها؟ ومَن يُطلب منه أن يكون أعزل أمام هذا العنف؟
لينين سيزيد هذه الفكرة حدّة حين يتعامل مع الدولة بوصفها جهاز قمعٍ طبقيٍّ. قد تبدو الدولة كأنها تمثّل الجميع، لكنها عملياً قد تعمل لحماية مصالح طبقة أو نخبة أو سلطة. وبذلك يصبح شعار «السلاح الشرعي» شعاراً ملتبساً: شرعي بالنسبة إلى مَن؟ إذا كانت الطبقة المسيطرة هي التي تملك الدولة، فإنّ احتكار الدولة للسلاح يعني احتكار تلك الطبقة لأدوات الإكراه. هكذا يتحوّل القانون إلى غطاء للقوّة، وتتحوّل القوّة إلى مصدر للقانون.
بورديو يضيف إلى هذا النقد بعداً رمزياً. فالدولة لا تحتكر العنف المادي فقط، بل تحتكر أيضاً العنف الرمزي: أي القدرة على تسمية الواقع وتصنيفه. هي التي تقرّر ما هو «شرعي» وما هو «غير شرعي»، مَن هو «وطني» ومَن هو «خارج على الدولة»، ما هو «دفاع» وما هو «ميليشيا»، ما هو «أمن» وما هو «تهديد». هذه القدرة على التسمية ليست تفصيلاً لغوياً، بل جزء من السلطة نفسها. فالسلطة لا تكتفي بأن تضرب؛ إنها تريد أيضاً أن تجعل ضربها مفهوماً بوصفه قانوناً، وأن تجعل مقاومة ضربها مفهوماً بوصفها جريمة.
فوكو يوسّع المسألة أكثر. فالدولة الحديثة لا تحكم فقط بالعنف المباشر، بل بشبكات الانضباط والمعرفة والإدارة: المدرسة، السجن، المستشفى، الإحصاء، السجلّ، الأمن، الخطاب العلمي، الإعلام، والخبرة. لذلك، فإنّ «حصريّة السلاح» لا تظهر وحدها، بل ضمن منظومة أوسع لإنتاج الطاعة. قد يُطلب من المجتمع التخلّي عن أدوات دفاعه باسم النظام، بينما تُعاد صياغة وعيه بحيث يرى عجزه فضيلة، وطاعته عقلانية، وتجريده من القوّة شرطاً للتحضّر.
من هنا لا يعود احتكار العنف مجرّد مسألة أمنيّة. إنه مسألة إنتاج للشرعية. الدولة لا تقول فقط: أنا أملك القوّة. بل تقول: قوّتي قانون، وقوّة غيري فوضى. وهنا تكمن خطورة القراءة غير النقدية للمفهوم الفيبري. فيبر وصف الدولة الحديثة بأنها تحتكر العنف المشروع، لكنه لم يقل إنّ كل عنف تمارسه الدولة عادل، ولا إنّ كل عنف خارجها فاقد للشرعية الأخلاقية والسياسية. الشرعية عنده مسألة اعتراف اجتماعي وتاريخي، لا صك قداسة. أمّا تحويل تعريفه إلى عقيدة سياسية، فهو تبسيط شديد لفكره، واستعمال أيديولوجي له.
خامساً: الاستعمار والسيادة الناقصة
تبلغ أزمة مفهوم «حصريّة السلاح» ذروتها في السياقات الاستعمارية وما بعد الكولونيالية. فالدولة في أوروبا الحديثة نشأت غالباً عبر بناء مركزي طويل، أمّا في كثير من بلدان العالم الثالث، فقد وُلدت الدولة داخل حدود رسمها الاستعمار، وبمؤسّسات صُمّمت أحياناً لحفظ النظام الداخلي أكثر ممّا صُمّمت لمواجهة العدوان الخارجي. لذلك لا يمكن نقل المفهوم الفيبري كما هو إلى مجتمعات تعيش سيادة ناقصة أو استقلالاً شكلياً أو تبعيّة استراتيجية.
فرانتز فانون رأى أنّ الدولة الاستعمارية ليست دولة محايدة، بل جهاز عنف منظّم. في المستعمرة، لا يأتي القانون ليحمي السكّان الأصليين، بل ليضبطهم. ولا تظهر الشرطة والجيش كأدوات أمن عامّ، بل كامتداد مباشر للسيطرة الاستعمارية. لذلك يصبح احتكار السلاح بيد الدولة الاستعمارية احتكاراً للعبودية لا للشرعية. في مثل هذا السياق، مقاومة المستعمَر ليست خروجاً على الدولة، لأنّ الدولة نفسها قائمة على إخراجه من السياسة والكرامة والسيادة.
أميه سيزير وألبرت ميمي، وغيرهما من مفكري نقد الاستعمار، كشفوا أنّ المستعمِر لا يسيطر فقط بالأرض والسلاح، بل بإنتاج خطاب يجعل سيطرته تبدو تمديناً، ويجعل مقاومة المستعمَر تبدو همجيّة. هنا تتكرّر آليّة بورديو وفوكو في سياق استعماري: القوّة لا تكتفي بأن تحتكر العنف، بل تحتكر اللغة التي تفسّر العنف. جيش الاحتلال يصبح «قوّة نظام»، والمقاومة تصبح «فوضى»، والقمع يصبح «استعادة أمن»، والتحرّر يصبح «تهديداً للاستقرار».
في العالم ما بعد الكولونيالي، لا تختفي المشكلة، بل تتغيّر صيغتها. فقد تصبح الدولة مستقلّة قانونياً لكنها ناقصة السيادة فعلياً. تمتلك عَلَماً ومؤسّسات وجيشاً، لكنها لا تملك قرار الحرب والسلم. تعتمد مالياً أو عسكرياً أو سياسياً على الخارج. تخضع لتوازنات دولية تمنعها من الدفاع عن حدودها. وهنا يصبح سؤال كارل شميت عن السيادة شديد الأهمّية: السيّد هو مَن يقرّر في الحالة الاستثنائية. فإذا جاءت لحظة الخطر ولم تستطع الدولة أن تقرّر، أو انتظرت إذناً خارجياً، أو خضعت لخطوط حُمْر تمنعها من الردّ، فهل تبقى صاحبة السيادة الفعلية؟
هذا لا يعني تبنّي كلّ مشروع شميتي، ولا إغفال مخاطره، لكنه يعني الاستفادة من سؤاله المركزي: السيادة لا تُختبر في الأيّام العاديّة، بل عند الاستثناء. في لحظة العدوان، في لحظة الغزو، في لحظة انهيار الضمانات. فإذا غابت الدولة عن هذه اللحظة، أو حضرت بوصفها وسيطاً للعجز لا أداة للحماية، فإنّ المجتمع لا يعود قادراً على التعامل مع احتكارها للسلاح بوصفه مبدأً مقدّساً.
عبدالله العروي ومفكّرو الدولة في العالم العربي وما بعد الاستعمار، لفتوا، كلٌّ بطريقته، إلى مأزق الدولة المستوردة أو الدولة الناقصة: شكل حديث فوق بنى اجتماعية مأزومة، ومؤسّسات رسمية بلا سيادة مكتملة، وخطاب قانوني لا يطابق دائماً الواقع التاريخي. في هذا السياق، قد يصبح طلب «حصريّة السلاح» سابقاً على شروطه. فالدولة التي لا تملك السيادة الكاملة لا تستطيع أن تطلب احتكار أدوات الدفاع كما لو أنها دولة مكتملة السيادة. الحصريّة هنا لا تكون نتيجة بناء وطني، بل قد تتحوّل إلى وسيلة لنزع قدرة المجتمع على التعويض عن نقص الدولة.
سادساً: الدولة ليست قدراً طبيعياً
قدّم علم الاجتماع التاريخي والأنثروبولوجيا السياسية نقداً آخر لفكرة الدولة الحديثة: الدولة ليست الشكل الطبيعي الوحيد للتنظيم السياسي، واحتكار العنف ليس قانوناً أبديّاً في الاجتماع البشري. بيير كلاستر، في دراسته للمجتمعات التي تعيش ضدّ الدولة أو خارج مركزيّتها، بيّن أنّ البشر عرفوا أشكالاً متعدّدة من التنظيم لا تقوم كلّها على جهاز مركزي يحتكر القوّة. أهمّية هذا النقد لا تكمن في الدعوة إلى العودة إلى مجتمعات ما قبل الدولة، فهذا غير ممكن ولا مرغوب في المجتمعات الحديثة المعقّدة، بل في كسر الأسطورة التي تجعل الدولة الحديثة نهاية التاريخ السياسي.
الدولة شكلٌ تاريخي. نشأت وتوسّعت واحتكرت وفرضت نفسها عبر عمليّات طويلة. لم تهبط من السماء بوصفها الحلّ العقلاني الوحيد. وهنا يأتي تشارلز تيلي ليقدّم واحدة من أهمّ العبارات في علم الاجتماع التاريخي: الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب. فالدولة الأوروبية الحديثة لم تنشأ فقط من تعاقد عقلاني بين أفراد يريدون الأمن، بل من حروب الملوك، وعمليات الجباية، وبناء الجيوش، وإخضاع المنافسين، وتصفية مراكز القوّة المحلّية. بمعنى آخر، احتكار العنف كان نفسه عملية عنيفة.
هذا التحليل يزعزع السردية النظيفة عن الدولة. فالدولة التي تقدّم نفسها اليوم بوصفها نقيض العنف، نشأت تاريخياً عبر العنف. والدولة التي تطلب من المجتمع التخلّي عن القوّة باسم القانون، بنت قانونها غالباً بعد أن حسمت صراعات القوّة لمصلحتها. لذلك ينبغي التعامل مع احتكار العنف لا كحقيقة أخلاقية مطلقة، بل كنتاج تاريخي يحتاج دائماً إلى مُساءلة.
تيلي ذهب أبعد حين شبّه بعض عمليات بناء الدولة بمنطق الحماية القسرية: السلطة تحتكر تعريف الخطر، ثمّ تطلب الطاعة والمال والقوة بحجة الحماية. هذا لا يعني أنّ كلّ دولة عصابة، لكنه يكشف أنّ الحدّ الفاصل بين الحماية والسيطرة ليس دائماً واضحاً. فالدولة قد تحمي المجتمع فعلاً، وقد تستخدم خطاب الحماية لإخضاعه. ومن هنا يجب أن يكون السؤال دائماً: هل احتكار السلاح يؤدّي إلى حماية الجماعة السياسية، أم إلى تعطيل قدرتها على حماية نفسها؟
سابعاً: بين المقاومة والفوضى
النقد السابق كلّه لا يبرّر أي سلاح خارج الدولة. هذه نقطة حاسمة. فليس كل خروج على احتكار الدولة للعنف هو مقاومة، وليس كل سلاح غير رسمي شرعياً، وليس كل جماعة مسلّحة تعبيراً عن المجتمع. قد يكون السلاح خارج الدولة أداة فتنة أهلية، أو نفوذاً فئوياً، أو سلطة موازية، أو اقتصاد حرب، أو قمعاً داخلياً. لذلك لا بدّ من التمييز بين المقاومة والفوضى، بين السلاح الدفاعي والسلاح السلطوي، بين القوّة التي تواجه عدواناً خارجياً والقوّة التي تستخدم الداخل ميداناً للهيمنة.
شرعية المقاومة لا تقوم على مجرّد امتلاك خطاب وطني، بل على شروط دقيقة:
أوّلها، وجود تهديد خارجي أو احتلال أو عدوان فعلي.
وثانيها، عجز الدولة أو قصورها أو تقييدها عن أداء وظيفة الدفاع.
وثالثها، ارتباط القوّة المقاومة ببيئة اجتماعية حاضنة لا بمجرّد مشروع مغامر معزول.
ورابعها، أن يبقى السلاح موجّهاً إلى وظيفة دفاعية لا إلى فرض إرادة داخلية على المجتمع.
وخامسها، أن تكون هناك أفقية سياسية واضحة: أي أن لا يتحوّل السلاح من وسيلة لحماية الوطن إلى سلطة دائمة فوق الوطن.
هذا التمييز ضروري لأنّ خصوم المقاومة غالباً يخلطون عمداً بين كل أشكال السلاح خارج الدولة. يضعون مقاومة الاحتلال في خانة واحدة مع الميليشيا الأهلية. يساوون بين مَن يحمل السلاح ضدّ عدوّ خارجي ومَن يحمله ضدّ جيرانه في الداخل. هذا الخلط ليس بريئاً. إنه يهدف إلى تجريد المقاومة من معناها الأخلاقي والسياسي عبر إذابتها في كلمة واحدة: «السلاح غير الشرعي». لكن الشرعية ليست مجرّد مكان وجود السلاح، بل وظيفته وسياقه وعلاقته بالمجتمع وبالعدو وبالدولة.
في المقابل، هناك خطر معاكس: أن تتحوّل المقاومة نفسها إلى ذريعة لتعطيل الدولة إلى ما لا نهاية، أو إلى تبرير كل استعمال للقوّة، أو إلى إنشاء شرعية مستقلّة لا تخضع لأي مُساءلة. لذلك، يكون النقد المتوازن هو الذي يرفض الفوضى باسم الدولة، ويرفض العجز باسم المقاومة. فالدولة مطلوبة، لكن بوصفها دولة سيادة وحماية وعدالة. والمقاومة مشروعة في ظروف محددة، لكنها لا تكون بديلاً أبديّاً عن بناء الدولة، بل تعويضاً تاريخياً عن نقصها، أو ردّاً على عجزها، أو حماية للمجتمع في لحظة لم تستطع المؤسّسة الرسمية أن تنهض فيها بوظيفتها.
ثامناً: حصريّة السلاح نتيجة لا مقدّمة
الخطأ الأكبر في الخطاب السياسي السائد أنه يتعامل مع «حصريّة السلاح» كأنها مقدّمة لبناء الدولة في كلّ الظروف، بينما هي في الحقيقة نتيجة لاكتمال شروط الدولة. الدولة القويّة العادلة ذات السيادة تستطيع أن تطلب من المجتمع توحيد أدوات القوّة داخل مؤسّساتها، لأنها تكون قد أثبتت قدرتها على الحماية والتمثيل. أمّا الدولة الضعيفة أو التابعة أو العاجزة، فلا تستطيع أن تبدأ من مطالبة المجتمع بالتجرّد من عناصر قوّته قبل أن تجيب عن سؤال الحماية.
حصريّة السلاح ليست شعاراً يُلقى في الفراغ. إنها عقد سياسي. ومعنى العقد هو الآتي: يتخلّى المجتمع عن استعمال القوّة المباشرة، مقابل أن تتولّى الدولة الدفاع عنه. فإذا لم تستطع الدولة الدفاع، أو لم ترد، أو مُنعت، أو ساومت، أو تواطأت، فإنّ العقد يصبح مختلّاً. لا يمكن لطرف أن يطالب بالامتياز وينسحب من الواجب. ولا يمكن للدولة أن تقول للمجتمع: سلّمني كل أدوات الدفاع، ثم اقبل عجزي كقدر.
هنا يتّضح الفرق بين دولة السيادة ودولة الشكل. دولة السيادة تحتكر السلاح لأنها تحتكر قرار الدفاع. أمّا دولة الشكل، فتريد احتكار السلاح من دون أن تمتلك قرار الدفاع. الأولى تطلب الحصريّة لأنها قادرة على الحماية. الثانية تطلبها لأنها عاجزة عن احتمال وجود قوّة اجتماعية تكشف عجزها. في الحالة الأولى، الحصريّة تعني بناء الدولة. في الحالة الثانية، قد تعني تصفية القدرة الدفاعية للمجتمع.
وهذا ما يجعل الشعار قابلاً للاستخدام الخارجي. فالقوى الدولية لا تطالب دائماً بحصريّة السلاح لأنها تريد بناء دولة قويّة في البلدان الضعيفة، بل لأنها تريد أحياناً دولة مضبوطة، محدودة القدرة، خالية من عناصر الردع غير الخاضعة للمنظومة الرسمية التي يمكن الضغط عليها أو تمويلها أو حصارها. وهنا ينبغي الانتباه إلى ازدواجية النظام الدولي: الدول الكبرى نفسها تستخدم الحروب بالوكالة، والجيوش الخاصّة، والدعم المسلّح لحلفاء غير دولتيين، ثم تطالب المجتمعات الضعيفة بنموذج مثالي من الدولة المركزية المنزوعة من شروط السيادة الفعلية.
لذلك يصبح السؤال السياسي الحقيقي: هل المطلوب حصريّة السلاح لبناء دولة قادرة، أم حصريّة السلاح لبناء دولة عاجزة؟ هل المطلوب توحيد القوّة الوطنية في مؤسّسة سيادية، أم تفكيك مصادر القوّة التي لا يستطيع الخارج السيطرة عليها؟ هل المشكلة في وجود السلاح خارج الدولة، أم في وجود دولة لا تملك شروط الدفاع عن الوطن؟
خاتمة: ضدّ تقديس الدولة وضدّ تمجيد الفوضى
إنّ نقد المفهوم الهوبزي-الفيبري لحصرية السلاح لا يعني نفي الحاجة إلى الدولة. على العكس، لا يمكن لمجتمع حديث أن يعيش في تعدّد دائم لمراكز القوّة. ولا يمكن للسلاح أن يكون منتشراً بلا ضوابط، ولا يمكن للمقاومة أن تتحوّل إلى سلطة فوق السياسة، ولا يمكن للدفاع عن الوطن أن يصبح ذريعة لتفكيك الاجتماع الداخلي. الدولة ضرورة، لكن الدولة التي تستحق احتكار السلاح هي الدولة التي تحمي، وتمثّل، وتقرّر، وتصون السيادة، وتخضع للمُساءلة.
المشكلة ليست في مبدأ الدولة، بل في تقديس الدولة القائمة أيّاً تكن طبيعتها. فالدولة ليست إلهاً سياسياً، ولا يحقّ لها أن تطلب الطاعة المطلقة إذا لم تقدّم الحماية. الشرعية ليست ختماً إدارياً، بل علاقة حيّة بين المجتمع والسلطة. وحصريّة السلاح ليست حقّاً طبيعياً للدولة، بل تفويض مشروط. فإذا سقطت شروط التفويض، عاد السؤال إلى أصله: حقّ المجتمع في الدفاع عن وجوده.
لقد بيّن النقد الليبرالي أن السلطة وكالة مشروطة، وبيّن النقد الجمهوري أنّ الدفاع فعل مواطنة لا مجرّد وظيفة تقنيّة، وبيّن النقد الماركسي أنّ الدولة قد تكون أداة هيمنة لا حكماً محايداً، وبيّن النقد السوسيولوجي أنّ الدولة تنتج الشرعيّة عبر العنف الرمزي والانضباط، وبيّن النقد ما بعد الكولونيالي أنّ الدولة الناقصة السيادة لا تستطيع أن تحتكر الدفاع وهي لا تملك قراره، وبيّن النقد التاريخي والأنثروبولوجي أنّ احتكار العنف نتاج تاريخي لا قانون طبيعي.
من هنا، لا يجوز أن يتحوّل شعار «حصريّة السلاح بيد الدولة» إلى عبارة مغلقة تمنع التفكير. السؤال ليس: هل نريد دولة أم لا؟ السؤال هو: أي دولة نريد؟ دولة تحمي الوطن أم دولة تطلب من الوطن أن ينتظر عجزها؟ دولة تحتكر السلاح لأنها تملك السيادة، أم دولة تريد احتكار السلاح لأنها تفتقد السيادة؟ دولة تجعل القوّة العامّة تعبيراً عن الإرادة العامّة، أم دولة تستخدم القانون لتجريد المجتمع من حقّه في المقاومة؟
الدولة التي تحمي الوطن تستطيع أن تطلب من الجميع الانضواء في مؤسّساتها. أمّا الدولة التي تعجز عن الحماية، أو تمنع الدفاع، أو تساوي بين العدوان ومقاومته، فلا يحقّ لها أن تختبئ وراء هوبز وفيبر. فالدولة وُجدت لكي تمنع موت المجتمع، لا لكي تطلب منه أن يموت بأدب قانوني.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!