مزايدات سياسية
وتقول السياسية النائبة السابقة سوزان منصور، إن “ملف الكهرباء في العراق ما يزال خاضعاً للمزايدات السياسية، الأمر الذي انعكس سلباً على هذا القطاع الحيوي وأسهم في استمرار التلكؤ والأزمات المزمنة فيه منذ سنوات طويلة”.
وتضيف، أن “الحكومات المتعاقبة دأبت على تبرير الإخفاقات في ملف الكهرباء بنقص إمدادات الغاز المستورد، لكنها في المقابل تعلن خلال فترات الاستقرار، ولا سيما في فصل الشتاء، جاهزيتها الكاملة لمواجهة ذروة الطلب في الصيف، قبل أن تتعثر مجدداً مع أول موجات الحر”.
مبالغ طائلة
وتشير عضو لجنة الاستثمار والتنمية في البرلمان السابق إلى أن “المبالغ التي صُرفت على قطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية كانت طائلة، إلا أنها لم تنعكس على واقع الخدمة بالشكل المطلوب، لذا الأزمة تتكرر في كل صيف من دون الوصول إلى حلول حقيقية أو معالجة جذرية تنهي معاناة المواطنين مع الانقطاعات المستمرة”.
وتعتقد، أن “استمرار الأزمة رغم الإنفاق الكبير يكشف وجود خلل في الإدارة والتخطيط، فضلاً عن تأثير التجاذبات السياسية على هذا الملف، الذي يفترض أن يُدار وفق معايير مهنية وخطط استراتيجية بعيدة عن المصالح الحزبية”.
وشدد المنهاج الحكومي لرئيس الوزراء علي الزيدي في قطاع الطاقة، على تنفيذ إصلاح شامل لمنظومة الكهرباء، والتوسع بالطاقة المتجددة والربط الكهربائي واستثمار الغاز المحلي، مع إنهاء حرق الغاز المصاحب وزيادة الإنتاج المحلي لتقليل الاستيراد.
اختبار وتحدي
من جهته، يرى خبير الطاقة رمضان حمزة، أن “ملف الكهرباء يمثل اليوم الاختبار الأبرز أمام الحكومة الجديدة، باعتباره القطاع الأكثر ارتباطاً بالخدمات اليومية للمواطنين، والأشهر المقبلة ستكشف بشكل واضح طبيعة الخطوات التي ستتخذها الحكومة في هذا الملف الحيوي”.
ويجد، أن “هناك حالة من التفاؤل بإمكانية أن تتجه الحكومة الجديدة نحو اتخاذ قرارات جريئة لمعالجة أزمة الكهرباء قبل حلول فصل الصيف بصورة كاملة”، مشيراً إلى أن “الشارع العراقي ينتظر إجراءات عملية تنعكس بشكل مباشر على ساعات التجهيز واستقرار المنظومة الكهربائية”.
أبعاد سياسية
ويضيف حمزة، أن “الدولة بدأت تتجه نحو حلول سريعة تعتمد على الطاقة الشمسية، بهدف تخفيف الضغط عن المواطنين وتقليل الاعتماد على المولدات الأهلية”، لافتاً إلى أن “المرحلة المقبلة قد تشهد تقديم تسهيلات مصرفية وقروض ميسرة لدعم مشاريع الطاقة الشمسية المنزلية، باعتبارها أحد الحلول الأكثر واقعية في الوقت الحالي”.
ويؤكد، أن “أزمة الغاز في العراق لا تخلو من أبعاد سياسية، خصوصاً في ما يتعلق باستمرار حرق الغاز المصاحب محلياً، مقابل الاعتماد على استيراد الغاز من إيران”، مبيناً أن “هذا الواقع خلق نوعاً من التبعية لطهران، فيما أسهمت الضغوط المفروضة على إيران في التأثير على كميات الغاز المصدرة إلى العراق”.
ويتابع خبير الطاقة، أن “على الحكومة الحالية أن تتعامل بوعي مع هذا الملف، عبر تطوير المشاريع الوطنية الخاصة بالغاز والعمل على إنهاء حالة الاعتماد الخارجي”، معتبراً أن “العراق يمتلك حقولاً غازية كبيرة، مثل كورمور وعكاز، قادرة على تغطية الحاجة المحلية وتوفير فائض للتصدير”.
ويشير إلى أن “العراق يمتلك إمكانات كبيرة في قطاع الغاز قد تؤهله مستقبلاً لمنافسة دول منتجة كبرى مثل قطر”، إلا أن “غياب الإرادة السياسية كان أحد الأسباب الرئيسية وراء تراجع هذا القطاع وعدم استثماره بالشكل المطلوب”.
وأكد وكيل وزارة الكهرباء لشؤون الإنتاج محمد نعمة، في تصريح صحافي يوم الخميس الماضي، أن منظومة إنتاج الطاقة في العراق تمر بـ”ظروف حرجة جداً”، إثر انخفاض إنتاج الغاز المحلي وتراجع كميات الغاز المستورد من إيران إلى النصف، جراء استمرار الحرب والتوترات في المنطقة.
طاقة نظيفة
بدوره، يعتقد خبير الطاقة كوفند شيرواني، أن من الإشارات الإيجابية إدراج ملف الكهرباء ضمن أولويات البرنامج الحكومي لرئيس الوزراء، مبيناً أن “هذا القطاع يعاني من تدهور كبير شمل منظومات التوليد والنقل والتوزيع، الأمر الذي يتطلب إصلاحاً شاملاً للبنية الكهربائية في العراق”.
ويرى، أن “معالجة أزمة الكهرباء يجب أن تنطلق من استثمار التخصيصات المالية الكبيرة الموجهة سنوياً لقطاع الطاقة في إنشاء مشاريع للطاقة النظيفة، ولا سيما الطاقة الشمسية”، مشيراً إلى أن “تكاليف هذه المشاريع أصبحت أقل من السابق، خصوصاً مع توفر منظومات آسيوية وصينية ذات كفاءة عالية وقادرة على توليد طاقات متزايدة”.
ويلفت شيرواني إلى أن “الطاقة الشمسية تمتاز بكونها صديقة للبيئة وأسهل من ناحية الصيانة، فضلاً عن إمكانية دمجها بسهولة مع الشبكة الوطنية، والعراق يمتلك مقومات مثالية لهذا النوع من الطاقة، مع وجود أكثر من 300 يوم مشمس سنوياً”.
حرق الغاز
وفي ما يتعلق بملف الغاز، يوضح خبير الطاقة، أن “العراق ما يزال يهدر كميات كبيرة من الغاز الطبيعي عبر الحرق، رغم وجود خطط حكومية سابقة للتوقف عن حرق الغاز المصاحب بحلول عام 2028″، مبيناً أن “تحقيق هذا الهدف سيوفر كميات إضافية كبيرة من الغاز تكفي لتشغيل محطات الطاقة الكهربائية وتقليل الحاجة إلى الاستيراد من دول الجوار”.
ويشير إلى أن “نسبة استثمار الغاز المصاحب ارتفعت إلى نحو 70%، بعد أن كانت بحدود 60% قبل عامين”، مؤكداً أن “وزارة النفط تخطط للوصول إلى استثمار كامل بنسبة 100% بحلول عام 2028، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الوقود الخاص بمحطات الكهرباء”.
مشاريع الربط
ويعتقد شيرواني، أن “معالجة النقص الحالي في الطاقة الكهربائية يمكن أن تتم أيضاً عبر مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار”، لافتاً إلى أن “العراق يعمل على مشاريع ربط مع دول الخليج عبر الكويت، إضافة إلى الأردن وتركيا، بما يوفر قدرات إضافية قد تتجاوز 20 ألف ميغاواط، الأمر الذي يسهم في تقليص العجز الكبير في منظومة الكهرباء”.
ويؤكد، أن “هذه الخطوات تمثل امتداداً للخطط التي بدأت بها الحكومات السابقة، والتي تهدف إلى تعزيز قطاع الكهرباء وتقليل حجم العجز في التجهيز”، معرباً عن أمله بأن “تنعكس هذه المشاريع بشكل تدريجي على تخفيف معاناة العراقيين المستمرة من نقص الطاقة الكهربائية”.
ومع دخول فصل الصيف في العراق، عاد ملف الكهرباء ليتصدر المشهد كأزمة مستعصية، حيث حذرت تقارير رسمية وخبراء من “صيف قاسٍ” في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. إذ توقع مسؤولون في وزارة الكهرباء أن تصل نسبة العجز في إمدادات الطاقة خلال الصيف إلى أكثر من 30 ألف ميغاواط، مما يؤكد استمرار الأزمة التي تشهدها البلاد.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!