RSS
2026-05-17 15:34:06

ابحث في الموقع

بين "خطاب الوداع" وضرورة التدقيق المالي: ماذا تركت مرحلة السوداني للعراق؟

بين "خطاب الوداع" وضرورة التدقيق المالي: ماذا تركت مرحلة السوداني للعراق؟
بقلم: د. هشام داود - باحث في الإنثروبولوجيا السياسية بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي

بين الكلمة الوداعية لمحمد شياع السوداني (12 آيار 2026)، والخطاب الأول لعلي فالح الزيدي أمام البرلمان، أقل من أربعٍ وعشرين ساعة فقط. لكنّ هذا التعاقب السريع للكلمات كشف، بصورة لافتة، حجم التناقض في توصيف العراق نفسه بين رئيس حكومة يغادر السلطة وآخر يتسلّمها.

فالسوداني قدّم، في خطابه الأخير، صورة لبلد يصفه بأنه استطاع الخروج من أعوام الانسداد والفوضى إلى مرحلة الاستقرار والإعمار والإصلاح الاقتصادي والخدمي. تحدث عن مشاريع كبرى، واستثمارات بمليارات الدولارات، وإصلاحات مالية وإدارية، وانخفاض التضخم، واستمرار المشاريع التنموية، حتى بدا المشهد، في بعض لحظات الخطاب، وكأن العراق يعيش واحدة من أفضل مراحله منذ 2003، وربما منذ عقود طويلة.

في المقابل، جاء خطاب الزيدي الأول مقتضباً ومشحوناً بلغة القلق والتحذير: دولة مترهلة، أعباء مالية متفاقمة، أزمة خدمات، اتساع الفوارق الاجتماعية، محدودية السوق، وانكفاء العراق عن محيطه الطبيعي والإقليمي، إلى جانب مؤسسات مثقلة بإرث البيروقراطية والتعقيدات والفساد. غير أنّ هذا الخطاب، رغم نبرته النقدية، لا يعني بالضرورة أن الحكومة الجديدة ورئيسها القادم من عالم المال والاعمال تقف خارج المنظومة التي أنتجت هذه الأزمات نفسها، خصوصاً وأن الزيدي وصل هو الآخر عبر تسويات ملتبسة، وضمن تركيبة وزارية وسياسية تثير منذ لحظتها الأولى كثيراً من علامات الاستفهام. ومع ذلك، فإن المفارقة تبقى لافتة: رئيس حكومة يغادر وهو يتحدث عن مرحلة إنجاز واستقرار، وآخر يتسلّم السلطة محذّراً من حجم الاختلالات التي تواجه الدولة، رغم أن الفاصل الزمني بين الخطابين لم يتجاوز يوماً واحداً.

ومع ذلك، فهذه المقالة ليست بصدد تقييم حكومة الزيدي التي لم يمضِ على ولادتها سوى ساعات قليلة، كما أن طبيعة التفاهمات التي جاءت بها إلى السلطة تجعل من المبكر إصدار أحكام نهائية عليها. لكنّ أهمية خطاب الزيدي الأول تكمن في أنه بدا، ولو بصورة غير مباشرة، أقرب إلى الاعتراف بثقل الإرث الذي تتسلّمه حكومته، في وقت حاولت فيه الكلمة الوداعية للسوداني تقديم السنوات الأربع الماضية بوصفها مرحلة نجاح شبه مكتمل.

وقد لخّصت الكاتبة والصحفية سؤدد الصالحي، المختصة بالشأن السياسي العراقي، هذه الإشكالية بعبارة لافتة حين قالت: “هذه حكومة تجار وصفقات، وهذا يعني أنها لن تكون خصماً لفصائل وُلدت هي نفسها من رحم هذا الاقتصاد السياسي، لكنها في الوقت ذاته ستوظف منطق التجارة وعقلية التاجر لتوسيع مساحات المناورة بين الفصائل وبين الضغوطات الخارجية”. وهي ملاحظة مهمة لفهم جزء من طبيعة التحولات داخل النظام العراقي نفسه: انتقال تدريجي من هيمنة الخطاب الأيديولوجي الصريح إلى صعود شبكات المال والعقود والتوازنات الاقتصادية بوصفها لغة الحكم الأساسية.

لكنّ جوهر هذه المقالة لا يتعلق برئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، بل بمحاولة تفكيك “الكلمة الوداعية” لمحمد شياع السوداني، وقراءة الحصيلة الفعلية لمرحلة امتدت قرابة أربع سنوات، توفرت خلالها للحكومة إمكانات مالية استثنائية، واحتياطي نقدي مريح، وارتفاع كبير في أسعار النفط، وقبول إقليمي ودولي كبير وفره له سلفه.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سؤالاً دعائياً أو سياسياً ضيقاً، بل سؤال دولة: ماذا فعلت حكومة السوداني بكل هذا الرأسمال الرمزي والسياسي، وبكل هذه القدرات المالية الهائلة؟ وهل خرج العراق من هذه السنوات الأربع دولةً أكثر قوة وكفاءة واستقراراً، أم أكثر ترهلاً واعتماداً على الريع والزبائنية والتوازنات الهشة؟

حكومة الوفرة المالية الكبرى

حين وصل السوداني إلى السلطة أواخر عام 2022، كان العراق يعيش واحداً من أفضل ظروفه المالية منذ سنوات طويلة. فقد تسلّمت حكومته احتياطياً نقدياً قارب، بحسب تقديرات البنك المركزي العراقي آنذاك، أكثر من 90 مليار دولار، وهو من أعلى مستويات الاحتياطي في تاريخ العراق الحديث. كما استفادت الحكومة من استمرار أسعار النفط عند معدلات مرتفعة تراوحت في بعض الفترات بين 80 و100 دولار للبرميل.

وكان العراق، خلال هذه المرحلة، ينتج ما يقارب 4.3 إلى 4.6 ملايين برميل نفط يومياً، يصدر منها أكثر من 3.3 ملايين برميل يومياً في المعدل، ما وفّر للدولة العراقية إيرادات نفطية ضخمة تجاوزت في بعض السنوات 130 مليار دولار. وهي أرقام لم تكن متاحة لمعظم الحكومات العراقية السابقة، حتى في فترات الاستقرار النسبي.

إضافة إلى ذلك، ورث السوداني “ميزانية الأمن الغذائي والتنمية” لتوفر سيولة هائلة للدولة خلال مرحلة الانسداد السياسي، قبل أن تمرّر حكومة السوداني لاحقاً الموازنة الثلاثية الشهيرة، في سابقة لم يعرفها العراق من قبل. وقد بلغت تقديرات الإنفاق في هذه الموازنات أرقاماً فلكية قاربت 200 تريليون دينار سنوياً، ما منح الحكومة قدرة إنفاق استثنائية وغير مسبوقة تقريباً.

لكنّ المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في حجم الأموال، بل في طبيعة إدارتها وآليات الرقابة عليها.

أين كانت الرقابة؟

في الدول البرلمانية التي تمتلك مؤسسات حقيقية شفافة، لا تُمنح الحكومات حرية إنفاق مفتوحة بهذا الحجم من دون رقابة شديدة التعقيد والتفصيل. فالبرلمان لا يكتفي بالتصويت على الموازنة، بل يراجع بصورة دورية آليات الإنفاق، والعقود، والتحويلات المالية، والمشاريع، ومدى الالتزام بالأهداف المعلنة.

أما في العراق، فقد جرى عملياً تعطيل جزء كبير من وظيفة الرقابة البرلمانية عبر تمرير موازنات متعددة السنوات، في وقت تعاني فيه مؤسسات الدولة أصلاً من هشاشة استقلاليتها وضعف الهيئات الرقابية وتداخل النفوذ السياسي داخلها.

وليس سراً أن العراق عرف سابقاً اختفاء ملفات مالية كاملة، بل وحتى غياب حسابات ختامية وموازنات واضحة لسنوات طويلة، خصوصاً خلال الولاية الثانية لنوري المالكي، حين تحولت قضية “الحسابات الختامية” نفسها إلى واحدة من أكبر فضائح الإدارة المالية في البلاد.

من هنا، فإن أي حديث جدي عن الدولة الحديثة لا يمكن أن يتجاوز فكرة التدقيق المالي والإداري الشامل (Audit)، بوصفه إجراءً طبيعياً بعد تغيّر الحكومات، لا عملاً انتقامياً أو محاولة لتصفية الحسابات السياسية.

فالتدقيق المالي والإداري في الدول البرلمانية الرصينة لا يعني فقط البحث عن الفساد، بل مراجعة كيفية اتخاذ القرار المالي، وآليات التعاقد، وجدوى المشاريع، ومدى تطابق الإنفاق مع الأهداف المعلنة للحكومة.

والسؤال هنا يصبح أكثر حساسية: هل ستذهب الحكومة الجديدة فعلاً نحو هذا النوع من التدقيق؟ أم أن “التفاهمات” السياسية التي جاءت بها ستدفع نحو تجاوز هذه الخطوة، خوفاً من فتح ملفات قد تطال بنية النظام نفسه؟

من شعار مكافحة الفساد إلى تضخم الإنفاق

المفارقة أن السوداني جاء إلى السلطة بخطاب شديد الوضوح حول مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام ومحاربة البذخ المالي. بل إن هذا الخطاب كان أحد أهم مصادر شرعيته السياسية والشعبية في بدايات حكمه.

لكن بعد أربع سنوات تقريباً، يصبح من المشروع التساؤل: أين نحن اليوم من تلك الوعود؟

فالدولة العراقية تبدو أكثر تضخماً من أي وقت مضى. والجهاز الحكومي توسّع بصورة هائلة عبر مئات آلاف التعيينات الجديدة، وربما ما يقارب المليون وظيفة بصورة مباشرة وغير مباشرة، في بلد يعتمد كليا على النفط لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية.

كما اتسعت شبكات الزبائنية السياسية، وتعمق التداخل بين السلطة والقرابة والإدارة العامة، وتحولت الوزارات والمؤسسات، في كثير من الأحيان، إلى فضاءات لإعادة توزيع النفوذ السياسي والمالي أكثر من كونها مؤسسات دولة بالمعنى الحديث.

وفي هذا السياق، برزت معطيات وتسريبات ونقاشات أثارها وقتها النائب الجدلي مصطفى سند، عضو اللجنة المالية في البرلمان، والذي أصبح اليوم وزيراً للاتصالات، وهي واحدة من أكثر الوزارات حساسية وغموضاً من ناحية حركة الأموال والاستثمارات والعقود.

وقد كشف مصطفى سند وقتها، بفعل صراعاته السياسية مع حكومة السوداني، جزءاً من آليات الإنفاق والتوظيف والعقود التي كانت تجري بعيداً عن الحوار العام الحقيقي والشفاف. وهذه مفارقة عراقية متكررة: فكثير من المعلومات لا تخرج عبر المؤسسات الرقابية الرسمية، بل عبر الصراعات داخل الطبقة السياسية نفسه (تسمى عراقيا : معركة واويّة).

خطاب الإنجاز وحدود الواقع

في “كلمته الوداعية”، تحدث السوداني عن التحول الرقمي، والإصلاح المصرفي، وخفض التضخم، وبناء المدارس، والجسور، والمطارات، ومشاريع المياه والصرف الصحي، فضلاً عن استقطاب أكثر من 114 مليار دولار من الاستثمارات.

ولا يمكن إنكار أن العراق شهد خلال هذه المرحلة تنفيذ عدد من المشاريع الخدمية والبنى التحتية. كما أن إجراء التعداد السكاني بعد عقود طويلة يمثل خطوة مهمة في أي دولة.

لكنّ السؤال الحقيقي لا يكمن في عدد الجسور والساحات العامة والمجسرات مضخّمة الكلفة حسب العديد من الاقتصاديين، بل في طبيعة النموذج الذي أُديرت من خلاله الدولة.

فالعراق ليس بلداً فقيراً كي يصبح مجرد بناء طرق أو ساحات دليلاً على النجاح. النفط العراقي، في سنوات الوفرة، قادر بطبيعته على إنتاج مشاريع ضخمة. المسألة الأهم هي: هل جرى بناء مؤسسات مستقرة وقابلة للاستمرار؟ أم أن الأموال ذهبت مرة أخرى نحو توسيع الاقتصاد الريعي وشبكات الزبائنية والتوظيف السياسي؟

الشركات الكبرى.. والواقع الأكثر تعقيداً

ومن النقاط اللافتة أيضاً في خطاب السوداني الحديث المتكرر عن جذب الشركات العالمية والاستثمارات الكبرى. لكنّ هذا الملف يحتاج إلى قراءة أكثر تعقيداً.

فشركة اكسون موبيل /ExxonMobil انسحبت فعلياً من العراق خلال فترة حكمه، رغم الحديث الرسمي المتكرر عن نجاح البيئة الاستثمارية العراقية. كما أن شركة شيفرون / Chevron انسحبت هي الأخرى من المفاوضات قبل أن تعود مؤخراً ضمن نقاشات تعاقدية مثيرة للجدل تتعلق بحقل مجنون العملاق، وبعقود رأى بعض المراقبين أنها تمنح امتيازات غير مسبوقة منذ العهد الملكي، وهي بالتالي اقرب الى تقديم تنازلات سياسية منها مشاريع استثمارية ذات فائدة مهمة للعراق.

أما اتفاق شركة بي بي البريطانية /BP بشأن تطوير حقل كركوك، فمفاوضاته تعود إلى سنوات سابقة على حكومة السوداني، قبل أن تتعثر لاحقاً وإعلان الشركة الانسحاب منه. وكذلك الأمر بالنسبة لاتفاق مع شركة توتال انيرجي / TotalEnergies، الذي وُقّع أساساً خلال حكومة مصطفى الكاظمي، قبل أن يعاد التفاوض حول بعض بنوده وإعادة تقديمه سياسياً ليسحب إنجازاً للسوداني !

الجميع يعرف ان المشكلة هنا ليست فقط في نسب الإنجازات التنموية، بل في أن العراق ما يزال عاجزاً عن توفير بيئة استثمارية مستقرة وشفافة وآمنة بما يكفي لإقناع كبرى الشركات بالبقاء طويلًا، بعيداً عن ضغوط الأحزاب ولجان العقود وشبكات النفوذ والميليشيات التي لم تدخل فضاء الدولة فحسب بل أيضا المرافق الاقتصادية، خاصة تلك ذات المردود الربحي السريع ذات العلاقة بإعادة توزيع الريع النفطي.

التعليم والرعاية الاجتماعية: ماذا عن الدولة نفسها؟

ورغم وعود السوداني عن بناء آلاف المدارس، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بنوعية التعليم نفسه والمناهج الدراسية، ومستوى الجامعات، وتوقف البحث العلمي، والانهيار في البنية المعرفية للدولة العراقية. فالأزمة العراقية ليست فقط أزمة بنى تحتية، بل أزمة إنتاج معرفة وكفاءة ومؤسسات علمية. بناء مدرسة جديدة لا يعني بالضرورة بناء نظام تعليمي حديث، تماماً كما أن توسيع الجامعات لا يعني تحسين مستوى التعليم العالي.

وينطبق الأمر نفسه على ملف الرعاية الاجتماعية، الذي جرى تقديمه بوصفه إنجازاً اجتماعياً، فيما يرى كثيرون أنه تحول تدريجياً إلى أداة لبناء قواعد انتخابية وشبكات ولاء سياسي وزبائني مرتبطة بقوى فصائلية نافذة داخل السلطة.

لماذا يحتاج العراق إلى تدقيق شامل؟

لهذا تحديداً، فإن العراق ما بعد السوداني يحتاج إلى تدقيق مالي وإداري ومؤسسي شامل، لا بوصفه أداة انتقام سياسي، بل باعتباره ضرورة لحماية الدولة نفسها.

فأي حكومة جديدة ستجد نفسها مثقلة بإرث ضخم من الالتزامات والعقود والديون والتعيينات والتوازنات السياسية التي تراكمت عبر سنوات طويلة. ومن دون مراجعة دقيقة وشفافة لهذا الإرث، ستختلط مسؤوليات الماضي بالحاضر، وسيصبح من الصعب التمييز بين ما ورثته الحكومة الجديدة وما ستنتجه هي بنفسها.

في الدول الرصينة، يُعدّ التدقيق بعد تغيّر الحكومات أمراً طبيعياً يهدف إلى حماية المال العام، وتحديد المسؤوليات، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. أما في العراق، فإن المعضلة أكثر تعقيداً، لأن التدقيق الحقيقي لا يفتح فقط ملفات الإنفاق والعقود، بل يقترب من البنية العميقة للنظام نفسه: من يقرر فعلاً؟ كيف تُدار الدولة؟ أين تنتهي المؤسسات الرسمية وأين تبدأ الشبكات الموازية؟ ما دور مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في إدارة هذه العقود والهيمنة عليها ؟ وما موقع وحصة شبكته القرابية التي تضخمت داخل رئاسة الوزراء (لنا عودة لهذا الملف المهم) ؟ 

هنا تحديداً تكمن المشكلة العراقية الكبرى

فالعراق بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة وصريحة، لكنه يخشى في الوقت ذاته هكذا مراجعات، لأنها قد تكشف ليس فقط حجم الهدر، بل طبيعة النظام الذي تشكّل بعد 2003، والذي باتت فيه الدولة والقرابة والاقتصاد الريعي والجماعات المسلحة والزبائنية السياسية تتداخل جميعها داخل بنية واحدة شديدة التعقيد.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فتح باب المراجعة، بل الاعتياد على هذا التداخل إلى درجة اعتباره أمراً طبيعياً أو قدراً لا يمكن تغييره. هنا تحديداً تبدأ أزمة الدول حين تفقد قدرتها على مساءلة نفسها.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!