RSS
2026-06-23 14:26:26

ابحث في الموقع

النهضة الحسينية بوصلة النص الأدبي

النهضة الحسينية بوصلة النص الأدبي
بقلم: حسن كاظم الفتال

بسم الله الرحمن الرحيم

( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ـ البقرة /245


أبدأ مُسلمًا

 بعيدًا عن إدراج وتدوين المصطلحات والعبارات النقدية والتعاطي بالقوالب الكلامية الجاهزة بعيدًا عن كل هذه النمطيات أبدأ مسلمًا.

وبعد أن أزجي بكل فخر واعتزاز واكرام واحترام أزكى التحايا وأجلها وأطيبها وأنداها لكل الشعراء الحسينيين الحقيقيين الأصلاء وكذلك الرواديد الحسينيون وبالتعريف نفسه.

أود أن أتوسط جمعهم وأشاركهم شرف الخدمة وأبدأ بالقول: لعلهم معنيون بظاهر منطوق هذه الآية الكريمة التي أفتتحت بها مقالتي. ثم أُذِكر أن الله جل وعلا مَنَّ عليهم بنعمة فضيلة دائمة غير زائلة وهي نعمة الولاء الحسيني وارتباط أسمائهم التي تذيل نتاجاتهم بذكر الإمام الحسين صلوات الله عليه وتلك نعمة فضيلة قل نظيرها .

وحين تبدو النعمة غاية في العظمة فلابد أن تستوجب أداء الشكر لله عز وجل وبما لا حدود له ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ـ إبراهيم / 7.

ومن المعلوم والمألوف إن أَوْجُه الشكر وموارده وكيفيات أدائه ودلالاته كثيرة ومتعددة ومتنوعة. وفي مثل هذه الجزئية من القضية التي هي المشاركة في تقديم نتاجات أدبية ونصوص حسينية رصينة أنيقة لإلقائها في المجالس أو عن طريق الرادود وهذه الممارسة والمساهمة التي يساهم فيها الشاعر والرادود  تستدعي أداء الشكر لله. وصيغة الشكر على أدنى تقدير هي  الالتزام التام وبدقة متناهية في بيان ما أفرز جوهر مفاهيم ومضامين النهضة الحسينية العظيمة وكذلك التقيد بمبادئ ومعايير وأصول الممارسة والمزاولة وأصول المهنة إن أعددناها مهنة. واتباع السلف الصالح من الحسينيين الحقيقيين الذين جاهدوا وصدقوا وتمعنوا في تقديم الخدمة للإمام الحسين صلوات الله عليه وضعوا بصماتهم البديعة الرائعة التي يتعذر محوها وزوالهم وقرروا لا يعرضوا بضاعتهم المزجاة إلا بعد التأكد من جودتها وتنقيتها وتحسينها وتزيينها بأسمى وأغلى وأثمن زينة لتكون نفيسة تستحق العرض والقبول. إنهم سمعوا القول فاتبعوا أحسنه وصاغوا منه ما صاغوا من نصوص أدبية تكسوها الحكمة والجمال والتألق والتأدب وكأنها تميمة تصون قداسة المنبر الحسيني وتحصنه من إخلال المخلين فيتلقاها التائقون لكل غالٍ ونفيس بكل شغف ورضا.

وهذا ما يحتم الإقتباس من شذرات تلك المعاني التي تتجلى وتتبلج بها النصوص الأدبية الحسينية بصيغها المبجلة التي مارسها الأولون الأسبقون وبصيغها وقواعدها ومعاييرها الصحيحة المناسبة.

 تناوبوا معها وذوبوا بها دون الانسلاخ من المألوف بحجة وعذر الميل للحداثة ومسايرة بعض التموجات أو الإستجابة لبعض الأذواق أو الصيحات ومجاراتها.

ومن يصر على أن يروج لمطلب التجدد بقصد أو بغير قصد فلندرك أن التجدد لا يعني النأي عن المألوف والتنكر للماضي المقدس فالنهضة الحسينية العظيمة تتجدد بالإبتكارات والإبداعات والانبلاجات الفكرية والتوهجات الحكمية المكملة لآلية التمسك بالعقيدة ورفدها بكل ما ينمي الوعي والثقافة الحسينية.

خصوصية المنتج المحرمي

إن أيام شهر محرم تنفرد بخصوصية معينة تختلف تمام الإختلاف عن عمومية أيام السنة برمتها. حيث وقعت في شهر محرم ملحمة تأريخية عظيمة لا نظير لها في كل وقائعها ومفاصلها وجزئياتها.

لذا فإن المساهمين في صنع المنجز الإبداعي والإنجاز الأدبي وصناع النتاجات الأدبية الثقافية يقتضي بهم الإستغراق في تدوين نصوصهم وإدراج المعاني وانتقاء المفردات بتمعن وتفحص وتفرس وتأملات طويلة من أجل بيان المواقف الانسانية والبطولية من تلك التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام وانصاره عليهم السلام في تلك الواقعة.

لا انفصال ببن العِبرة والعَبرة

لا ريب ولا ضير ولا إشكال ولا حرج أن يتم تسليط الضوء بشدة على الجانب العاطفي المأساوي في القضية الحسينية وليدرك مؤلف النص الأدبي وليدرك المتلقي أن التركيز والتكريس على هذا الجانب لا يعني بيان الإنكسار والخنوع . إنما يمكن أن يُتَخذ بابًا أو أداة من أدوات الإنتفاضة وتفجير الثورة ضد الطغاة العتاة الظلمة.

لا يخفى على أحد إن القضية الحسينية العظيمة تترادف بها معاني العِبرة والعَبرة وهما متلازمان لا يفترقان. 

ويعد بعض المعنيين ذلك التلازم علامة وأمارة من أمارات التميز والتفرد للواقعة. لذا يتعين مراعاة مسألة إبراز الجانب المأساوي إن لم نقل التركيز والإهتمام به ببيان المواقف المؤلمة والمحزنة وحتى تبلغ حد البكاء الذي هو أيضًا محرك من محركات الإنتفاضة.

 تلازم النص الأدبي وإقامة الإصلاح

إن واقع المرحلة ومجرياتها وضرورة التعايش الروحي فيها ومقتضى الإعلان عن مصداقية الثبات على المبدأ ودحر قسوة كل استبداد من أينما برز ونسعى لتحقيق مبدأ السمو الروحي ونعلن عن مساهمتنا بإقامة الإصلاح ونشره وتعلقنا بالأمر. كل ذلك يقودنا إلى محاولة مضاعفة بذل الجهد وتجاوز الزمكانية للإرتقاء إلى أعالي قمم التفاخر بحسن الولاء الصميمي والتفاعل والذوبان مع تلك المبادئ ونشرف على شاهقات المآثر فنشاهد ببصيرتنا أعظم ملحمة دونها التأريخ طي صفحات منفردة الإدراج وأفرزت ما لم تفرز أي واقعة غيرها وحين نطيل التبصر في حيثياتها ونتصور أحداثها نتوق لأن نتخذها ديباجة هويةٍ نتشرف بحملها ونباهي بها الأمم والأقوام وبأحقية تامة ثم نتخذ من موقع حدوثها نقطة شروع إلى ميادين الزهو والإباء والكبرياء.

هذا التصوير وبيان ما ينبغي بيانه يتكلف به الأدباء والفنانون والباحثون والمحققون ومن بينهم الشاعر الحسيني ورديفه الرادود الذي هو حلقة الوصل بين المُلقي والمتلقي.

وهذا ما يحتم على الشاعر أن يعتصر قريحته وذهنيته لتتبلور قريحته خير تبلور فيتوفر هو على عصارة فكرية فنية ينطق بها الضمير والعقل الناضج المفعم بالوعي الحسيني وإنتاج نص مسبوك كما تسبك اللآلئ محبك رصين بما يتناسب حتى ولو بعض الشيء مع عظم القضية التي يصب إهتمامه في درج اسمه في قائمة المساهمين في إعلان المآثر والمناقب المشرفة ويهتم غاية الإهتمام في إنتقاء الجمل والعبارات واقتناص المفردة المناسبة لتكوين النص الأدبي الحسيني.

أن تصاغ القصيدة صياغة محكمة تراعى مسألة هندستها ببناءٍ أدبي يتميز بخصائص تبهر من يتوق لتلقي معلومة عن واقعة الطف وليس خللا حين تتلاقي في النص الأدبي الحسيني وتندمج العِبرة والعَبرة. وتسويقها والترويج لها كظاهرة من الظواهر الحسينية التي أعلن عنها رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: (إن لقتل الحسين عليه السلام حرارة في قلوب المؤمنين). وما يخفف وطء جزءٍ من تأجج هذه الحرارة إنهمار الدموع. لتكون القصيدة المقدمة والمقروءة تترجم مفهوم هذه الظاهرة وتساهم بها في تنمية الوعي والثقافة الحسينية وللكاتب أن يجعل نصه الأدبي يزخر بأبعاد متنوعة كثيرة.. كالبعد العقائدي.. البعد الولائي.. البعد الإنساني ..البعد الأخلاقي.. حتى البعد الإجتماعي والجهادي الذي ربما يفصح عن أسرار وخفايا وبواطن عظمة وعمق الديباجة التي أختصت بها واقعة الطف وهي ديباجة انتصار الدم على السيف وفك رموزها والافصاح عن مكنوناتها.

ينبغي لنا أن نسعى لنجعل نصوصنا الأدبية موارد إعلامية تبين عظمة المواقف التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره الميامين.

أن يتحول النص الأدبي إلى صورة براقة يتلمسها السامع ويتحسس تلألؤها.

عند ذاك يستحق النتاج أن يُعدَ نصًا حسينيًا خالصًا يتمنى الحسينيون إدراجه بحقل المشهد الثقافي الحسيني العظيم المشرف.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!