توطئة واستعارة لابد منها
مما هو شائع ومألوف بين المجتمعات الإيمانية الواعية التي تنتمي إلى المنهج الرسالي وتقر بالاقتداء به وفضلا عن أنها تميل إلى تطبيق أحكام السماء فهي تتمسك بالأعراف والتقاليد والآداب الإجتماعية والأخلاقية. هذه المجتمعات تعتني بظاهرة إكرام الزائر أو الضيف وتولي اهتماما بالغا بالتعاطي مع هذه الظاهرة وتقرن ذلك بآداب القِرى والضيافة وما هو من مجريات المنظومة الأخلاقية المجتمعية وتحلي الأفراد وتجملهم واتسامهم بالصفات الحسنة والسجايا الحميدة. إذ هذا ما يبرز الاتصاف بالجود والكرم وضرورة مداراة الزائر أو الضيف وأداء مراسم الضيافة بأسمى معاني الإكرام والإجلال : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)) ـ الذاريات ومما هو معلوم أن لكل زائر أو ضيف كرامة ومقامًا ومنزلة ومكانة في النفس وكذلك لكل زائر نمط أو صيغة من أنواع وصيغ الاستقبال والترحيب والتوديع.
وكم من زائر حين يختصر أوان وزمن مروره ويُقصره بينما يتوق الكثيرون أن يضيفوه وأن يطول مقامه ومكوثه إذ في طول بقائه ومكوثه استئناس وارتياح وسعادة وحبور وخير وبركة.
وليس شهر رمضان المبارك ببعيد عن هذه الصورة وهذا التوصيف.
شهر رمضان مغادر نأمل ان نلتقيه
بلا أدنى شك ومن البديهيات أن شهر رمضان أكبر وأسمى وأوضح من أن يوصف أو يُعَرَّف ولعل ذلك يدخل بمضمار قاعدة توضيح الواضحات من المشكلات فالأمر الجلي إنه ليس فينا من لا تلامس ذاته وضميره وعقله وإحساسه وتوجساته فضيلة ومآثر ومحاسن شهر رمضان. فهو شهر مثلما تميز بكل شيء كذلك تميز بمعرفة الناس به والترحاب به وجمال وجلال وقدسية ولطافة أجوائه.
فهو نعمة كبيرة أنعم الله بها علينا إذ فضلنا به على سائر الأمم ولعل أبرز ما يبين فضل مروره علينا ومرورنا عليه أن الله جعل فيه أنفاسنا تسبيحًا ونومنا عبادة ودعاءنا مستجابًا والثواب والأجر فيه مضاعفا كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله. مما دعا أن يزداد اشتياقنا إليه ورغبتنا ببقائه مدة أطول وتلك استعارة تأملية.
شهقة بين الترحاب والوداع
شهر عهدناه ضيفا كريما مُرَحَبا به غاية الترحيب وقد أعددنا له استعدادا روحيا ونفسيا لائقا باستقبال كريم وبحفاوة بهيجة زاهرة حيث هو الذي شرع لنا أبواب الرحمة وحمل لنا بطاقة دعوة لضيافة رب كريم رحيم . والله جل وعلا قبلنا أن نهتدي إلى ضيافته.( وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ)ـ الزمر/ 37
وفرض علينا هذا التشرف بالقبول أن نتوسم بلياقة وأدب وتأدب حين نتجه لضيافة مُضَيِّف عظيم كريم بما يليق باستقباله والترحاب به والتعاطي معه.
أوشك هذا الضيف الكريم العزيز أن ينصرف عنا، يقول الإمام علي بن الحسين صلوات الله عليهما في وداع شهر رمضان: (وقد أقام فينا هذا الشهر مقامَ حمدٍ وصَحِبنا صحبةَ مبرورٍ وأربحنا أفضلَ أرباح العالمين , ثم فارقنا عند تمام وقته وانقطاع مُدَّتِه ووفاءِ عدَدِه فنحن مودِّعوه وداع من عزَّ فراقُه علينا وغمّنا وأوحشنا انصرافه عنّا).
الحصد الرمضاني
ونحن لا يسعنا إلا نقول بكل غبطة مأمولة : هنيئا لمن اجتهد وأحسن العملَ صنعا في هذا الشهر المبارك ومن أحسنَ صيامه وقيامَه لحسن ختامِه واكتسب مما ينبغي أن يكتسبَ وأُدرج في سجل المرحومين بعيدا عن دائرة المحرومين وهنيئا لمن أدرج في سجل المرحومين.
سنختم مراحلَ استعدادِنا التامِ لاستقبال هذا الشهرِ الفضيلِ المبارك شهرِ رمضان الذي كثيرا ما يختلف استعدادُ الناس له تمامَ الإختلافِ عن كلِّ صيغِ الاستعدادِ المألوفةِ لغيره من الشهور. ففي هذا الشهر المبارك ننتقلُ من محطة عظيمة إلى محطة أعظم. ننتقل من شهر رسول الله صلى الله عليه وآله المبعوثِ رحمةً للعالمين الذي هو شهرُ شعبان إلى شهرِ اللهِ إلى ضيافةِ أكرم ِالأكرمين وأرحمِ الراحمين شهرِ رمضان المبارك.
لعل التلاقي بعد الإفتراق
وقد ورد عن الإمام محمد الباقر صلوات الله عليه قال: بينا أنا مع علي بن الحسين صلوات الله عليهما في طريقٍ أو مسيرٍ إذ نظر إلى هلال شهرِ رمضان فوقف ثم قال: أيها الخلقُ المطيع الدائب السريعُ المترددُ في منازل التقدير، المتصرفُ في فلك التدبير، آمنتُ بمن نوَّر بك الظلم، وأوضحَ بك البُهَم، وجعلك آيةً من آيات ملكِه، وعلامةً من علامات سلطانِه، فحد بك الزمان، وامتهنك بالكمال والنقصان والطلوعِ والأفول والإنارة والكسوف، في كل ذلك أنت له مطيعٌ وإلى إرادته سريع. سبحانه ما أعجب ما دبر أمرك، وألطفَ ما صنع في شأنك، جعلك مفتاحَ شهر لحادثِ أمر، جعلك اللهُ هلالَ بركة لا تمحقُها الأيامُ وطهارةً لا تدنسها الآثامُ هلالُ أمنةٍ من الآفات، وسلامةٍ من السيئات، هلالُ سعد لا نحس فيه، ويمنٍ لا نكد فيه، ويسرٍ لا يمازجه عسر، وخيرٍ لا يشوبه شر، هلالُ أمن وإيمان، ونعمةِ وإحسان. اللهم اجعلنا من أرضى من طلعَ عليه، وأزكى من نظر إليه، وأسعدِ من تعبد لك فيه، ووفقنا اللهم فيه للطاعة والتوبة، واعصمنا من الآثام والحوبةِ وأوزعنا شكرَ النعمة، واجعلْ لنا فيه عونا منك على ما تدنينا إليه من مفترضِ طاعتِك ونفلِها، إنك الأكرمُ من كل كريم، والأرحمُ من كل رحيم، آمين آمين ربَّ العالمين .(أنتهى قول الإمام عليه السلام)
لقد عشنا خير أيام الإستئناس والارتياح والجلالة والقدس في هذا الشهر المبارك. ولكن كما هو نظام التأريخ ومسارات التقويم فقد إنقضت أيامه ودنا موعد رحيله ورغم تمنياتنا بأن يطول بقاؤه إنما ليس لنا إلا ان نُسَلِم لأمر هذا التصرم والإنقضاء ونؤدي مراسم الوداع. والله نسأل ان يجعلنا ممن اتخذ من مرور هذا الشهر الفضيل واعظًا كريمًا أيقظ في النفوس السداد وتوهجات الرشاد وأفاقت فيها الحكمة والفطنة إن كانت من قبلُ بائسة مضطربة متحيرة وصحت فيه الأجسام مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : ( صوموا تصحوا).
وكم من العظمة والنبل واكتساب الفضل والعزة والابتهاج والتزود من الخير والبركة حين نتمنى ونأمل أننا نمتثل لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله حين يأمر أن ندعو بوداع هذا الشهر إذ جاء عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله في آخر جمعة من شهر رمضان فلما بصر بي قال لي : يا جابر هذا آخر جمعة من شهر رمضان فودعه وقل :( اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إياه فان جعلته فاجعلني مرحوما ولا تجعلني محروما ) فانه من قال ذلك ظفر بإحدى الحسنيين إما ببلوغ شهر رمضان وإما بغفران الله ورحمته ثم قال صلى الله عليه وآله : إن الله تبارك وتعالى لن يفرض من صيام شهر رمضان فيما مضى إلا على الأنبياء دون أممهم وانما فرض عليكم ما فرض على أنبيائه ورسله قبلي إكراما وتفضيلا والذي بعثني بالحق ما أعطى الله نبيا من أنبيائه فضيلة إلا أعطانيها ولقد أعطاني ما لم يعطهم وفضلني على كافتهم وأنا سيدهم وخيرهم وأفضلهم ولا فخر).
وللختام إشارة وتذكير
بعد هذا الايجاز لابد من تذكير وما هو إلا لفت عناية لأنفسنا فحسب ندرج أسئلة تدور في الذهن ربما يقتضي طرحها ولو على أنفسنا .
ما الذي قدمنا في هذا الشهر الكريم ؟
ما الذي اكتسبناه من مروره بنا ؟
الصوم مدرسة الثلاثين يوما حين التحقنا بهذه المدرسة كيف يمكن أن نتخرج منها ؟
ما هي معطيات هذه المدرسة النفسية والروحية والجسدية والفكرية والعقلية ؟
ما هي الأبعاد التي أورثها لنا هذا الشهر الكريم ؟
هل حقا كان صيامنا ليس إمساكا فقط بل صيام جوارح ؟
وحين يكون صيام جوارح هل سوف يستمر هذا الصيام ؟
هل ما قدمنا في هذا الشهر بمستوى الاستعداد الذي أعلنّا عنه عند استقباله ؟
إجابات هذه التساؤلات الإفتراضية تحتم علينا أن ندلي بمصداق يثبت أننا لم نَدَعِ شهر رمضان بحله وترحاله دون أن نغتنم من مروره ما يقتضي أن نغتنم . كيف لنا أن نبرهن على أن مروره ترك الأثر الكبير في الذوات والنفوس والعقول. وكم كان لنا شرف التقبل وشرف الإلتزام الصادق الخالص بمنهجيته التي تتضمن كيفية إعداد النفوس وترويضها وتهذيبها والعزم على إدامة إنضباطها وعزمها على أن تغمر وتحتشد بقوة إرادة وصلابة التحمل والصبر على إبداء التحدي إن داهمتها المعاصي والصبر على الطاعة وغرس التقوى وأن تتوقى بتطبيق ما اقتضى علينا تطبيقه.
سائلين رب العزة والجلالة أن يوفقنا لأن نخرج منه مبيضةً وجوهُنا ويعيننا على طاعته وطاعة نبيه وآله صلواتك عليهم أجمعين بفضله ومنه وإحسانه.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!