RSS
2026-07-04 23:04:10

ابحث في الموقع

ابدأ الانفاق بمن تعول الأقرب فالأقرب

ابدأ الانفاق بمن تعول الأقرب فالأقرب
بقلم:حسن الهاشمي

الجهاد بالأموال والأنفس يشير إلى بذل الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وقد ورد هذا التعبير في العديد من آيات القرآن الكريم، حيث يُثني الله تعالى على الصادقين الذين يُضحون بكل ما يملكون من ثروات وأرواح لنيل رضوانه، ولأن نزع الأموال من الانسان ربما يكون أعظم من نزع الروح منه لطبيعته المادية، لذلك قدم الله تعالى بذل المال على بذل النفس في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) التوبة 20.

الأسباب عديدة في التقديم منها: لأن الإنفاق بالمال هو المقدمة الطبيعية للجهاد بالنفس؛ فتهيئة السلاح، والزاد، والعدة، وإعداد القوة، كلها تحتاج إلى المال أولًا، ثم يأتي بذل النفس عند الحاجة.

لأن الابتلاء بالمال أكثر وقوعًا وأشد على كثير من الناس؛ فالإنسان مجبول على حب المال، كما قال تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) الفجر: 20. ولذلك فإن تقديم المال يشير إلى أن المؤمن يبدأ بمجاهدة نفسه في بذل ما يحب.

لأن بذل المال أكثر تكرارًا من بذل النفس؛ فالإنسان قد ينفق ماله مرات كثيرة في حياته، أما بذل النفس فلا يقع إلا في مواقف خاصة، فناسب تقديم الأكثر وقوعًا.

لأن المال قرين النفس ووسيلة حفظها؛ فالناس يبذلون أعمارهم في تحصيل المال، حتى قيل: المال شقيق الروح، فالتضحية به لون من التضحية بالنفس، وإن كانت دونها.

إن تقديم المال على النفس يوحي بأن المؤمن الصادق لا يقتصر على التضحية حين تشتد الأزمات، بل يبدأ ببذل ماله في نصرة الحق، وإغاثة المحتاجين وبالأخص الأقربين منهم، وتمتين الأواصر الأسرية والاجتماعية، وإقامة مصالح الدين، فإذا استدعى الأمر بذل النفس كان مستعدًا لذلك، فالجهاد بالمال هو الباب الذي يسبق في الغالب الجهاد بالنفس، ولهذا جاء الترتيب القرآني في غاية الدقة والبلاغة.

النصوص الإسلامية في تقديم المال تؤكد أن ذوي الرحم هم أولى الناس بالصدقة إذا كانوا محتاجين؛ لأن الإنفاق عليهم يجمع بين فضيلتين: الصدقة وصلة الرحم، ولذلك كان أجره أعظم من الصدقة على غيرهم، ومن أبرز النصوص في ذلك قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ...) البقرة: 215. فقد بدأ بالوالدين ثم الأقربين، إشارة إلى أولويتهم في البر والإنفاق.

في تراث أهل البيت (عليهم السلام) ورد التأكيد على هذا المعنى أيضاً، بدء الانفاق بمن تعول، ثم الأقرب فالأقرب، وهو توجيه إلى مراعاة ترتيب الأولويات في النفقة والإحسان، والحكمة من تقديم ذوي الرحم بالصدقة، لأنهم أحق الناس بالمعروف عند حاجتهم، ولأنها تحقق التكافل داخل الأسرة وتمنع الحاجة والفقر، ولأنها تجمع بين أجر الصدقة وأجر صلة الرحم، ولأنها تقوي روابط المحبة وتزيل أسباب القطيعة.

لذلك قرر الفقهاء أن الصدقة المستحبة إذا دار الأمر بين قريب محتاج وأجنبي محتاج متساويين في الحاجة، فإن القريب أولى بها، ما لم يكن هناك سبب يقتضي تقديم غيره لشدة حاجته أو ضرورة خاصة، قال الإمام الحسين (عليه السلام): (سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك) بحار الانوار للمجلسي: 96 / 147 / 24. يرشد النبي الاكرم إلى أن يبدأ الإنسان في نفقته وصدقته بمن تلزمه مؤونتهم أو هم أقرب الناس إليه، فيبدأ بالأم والأب لعظيم حقهما، ثم بالإخوة والأخوات المحتاجين، ثم بالأقرب فالأقرب من ذوي رحمه، فلا يترك قرابته المحتاجين ويذهب بإحسانه إلى البعيد.

من الواضح أن الأولوية في الإنفاق والإحسان تكون للوالدين، ثم للأقربين، ثم للأقرب فالأقرب بحسب الحاجة والاستحقاق، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا صدقة وذو رحم محتاج) بحار الانوار للمجلسي: 96 / 147 / 24. إذا كان للإنسان قريب محتاج، فإن تقديمه بالصدقة المستحبة أولى من إعطائها لغيره؛ لأنها تجمع بين أجر الصدقة وصلة الرحم، أما الزكاة الواجبة فلها أحكامها الفقهية الخاصة، وكذلك النفقة الواجبة على الوالدين والأولاد والزوجة لا تُعد صدقة، بل هي واجب شرعي.

معطيات عظيمة تترتب على صدقة ذوي القربى لما فيها من بركات حسية ومعنوية، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الصدقة على ذي القرابة يضعف أجرها مرتين) كنز العمال للمتقي الهندي: 16226. ليس المقصود أن الثواب يساوي مجرد ضعفين من الناحية الحسابية، وإنما أن الصدقة على القريب تجمع فضيلتين: ثواب الصدقة، وثواب صلة الرحم، ولذلك كانت أولى من الصدقة على الأجنبي إذا تساوت الحاجة، وهو ما تؤيده الآيات الكريمة والأحاديث الداعية إلى البدء بالأقربين في الإحسان والإنفاق.

من هنا جاء تأكيد رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أفضل الصدقة على أختك أو ابنتك، وهي مردودة عليك ليس لها كاسب غيرك) بحار الانوار للمجلسي: 96 / 181 / 27. فهي أقرب إلى معنى النفقة الواجبة على القريب الذي لا عائل له، فإذا كانت الأخت أو الابنة فقيرة ولا تجد من ينفق عليها، فإن إعانتها من أعظم القربات، بل قد تكون نفقة واجبة في بعض الحالات بحسب صلة القرابة وأحكام الفقه، وليست مجرد صدقة مستحبة، واعلم ان إعانة الأخت أو الابنة المحتاجة من أفضل وجوه الإحسان، فهو ثابت بأدلة صحيحة وقواعد الشريعة في تقديم ذوي الرحم.

لماذا كل هذا التأكيد على صدقة ذوي الرحم؟ يجيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ذلك بقوله: (صدقة ذي الرحم على ذي الرحم صدقة وصلة) الجامع الصغير للسيوطي: 4994. أن الصدقة على القريب المحتاج لا يقتصر ثوابها على أجر الصدقة، بل ينضم إليه أجر صلة الرحم، ولذلك كانت أفضل من الصدقة على غير القريب إذا تساوت الحاجة.

هذا الحديث أصلٌ في تقديم الأقارب المحتاجين بالإحسان، وهو ينسجم مع قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) البقرة: 215. فالإسلام يجعل الصدقة على ذوي الرحم وسيلةً لسدّ حاجة المحتاج، وتقوية أواصر الأسرة، وتحقيق التكافل الاجتماعي، ولذلك تضاعف فضيلتها لاجتماع عبادتين فيها وهما الصدقة وصلة الرحم

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!