RSS
2026-05-18 11:38:36

ابحث في الموقع

العراق وسلّم الرواتب: جدل العدالة في زمن العجز المالي

العراق وسلّم الرواتب: جدل العدالة في زمن العجز المالي
بقلم: د. سهام يوسف علي

يشهد البرلمان العراقي حاليا حراك تشريعي لإعادة النظر في سلم رواتب الموظفين، بدعوى تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق بين فئات العاملين في مؤسسات الدولة. ورغم الطابع الاجتماعي لهذا الطرح، إلا أنه يفتح مجدداً ملفاً بالغ الحساسية في المالية العامة العراقية، يتعلق بتركيبة الإنفاق الجاري وقدرة الدولة على استيعاب أي توسع إضافي في الالتزامات التشغيلية دون الإخلال بالاستدامة المالية.

وفي سياق يتسم بارتفاع نسبة الإنفاق الثابت من الموازنة واعتماد الاقتصاد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، يصبح أي تعديل واسع في هيكل الرواتب مسألة لا ترتبط بالعدالة وحدها، بل بمدى قدرة النظام المالي على الحفاظ على توازنه في بيئة تتسم بتقلبات إيرادية وضغوط سيولة متزايدة.

اقتصادياً، أي نظام رواتب لا يمكن فصله عن ثلاثة عناصر أساسية: حجم الإيرادات العامة، كفاءة الإنفاق، وهيكل الاقتصاد المنتج. وفي الحالة العراقية، تشير البيانات المتداولة إلى وجود فجوة واضحة بين الإيرادات والنفقات التشغيلية، ما يعني أن أي تعديل شامل في الرواتب دون مصادر تمويل مستدامة سيقود مباشرة إلى زيادة العجز أو اللجوء إلى أدوات تمويل مؤقتة ذات كلفة مستقبلية أعلى.

من الملاحظ أن ملف سلم الرواتب لم يُطرح بجدية خلال فترات الوفرة النفطية التي شهدها العراق، حين كانت الإيرادات مرتفعة بشكل كبير، بل كانت السياسة المالية تميل آنذاك إلى التوسع في الإنفاق والتوظيف وزيادة المخصصات بشكل تدريجي وغير منظم. في تلك المرحلة، لم يكن هناك دافع قوي لإعادة هيكلة سلم الرواتب أو معالجة التشوهات المتراكمة فيه، لأن الفائض المالي كان يغطي الاختلالات القائمة ويؤجل ظهور آثارها. لكن هذا السلوك أدى عملياً إلى تثبيت امتيازات وتشوهات داخل النظام الوظيفي، ما جعل أي محاولة للإصلاح لاحقاً أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل تراجع الإيرادات وازدياد الضغط على الموازنة.

المشكلة الأكثر عمقاً لا تكمن فقط في مستوى الرواتب، بل في التشوهات الهيكلية داخل سلم الرواتب نفسها. فالتفاوت بين مؤسسات الدولة، وتعدد أنظمة المخصصات، ووجود امتيازات استثنائية في بعض المواقع الوظيفية، خلق ما يشبه "سلالم رواتب متوازية" داخل الدولة الواحدة. وهذا النوع من الاختلالات لا يُعالج بزيادة عامة، بل بإعادة توحيد النظام من الأساس.

ويُضاف إلى ذلك عامل أكثر حساسية، وهو الاعتماد المرتفع على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، والذي يتجاوز في العراق نحو 80‌% من الدخل العام. هذا الاعتماد يجعل المالية العامة عرضة للتقلبات العالمية، بينما تظل الالتزامات التشغيلية (خصوصاً الرواتب) ثابتة وغير مرنة. هذه المعادلة تخلق ما يشبه "الضغط الهيكلي الدائم" على الموازنة.

تكشف بيانات الحسابات الختامية حتى نهاية كانون الأول 2025 حجم الضغط الهيكلي الذي تواجهه المالية العامة العراقية. فقد بلغت تعويضات الموظفين وحدها نحو 60.45 تريليون دينار، فيما وصلت الرواتب التقاعدية إلى أكثر من 20.08 تريليون دينار، إضافة إلى نحو 5.63 تريليون دينار لشبكة الحماية الاجتماعية، وقرابة 0.73 تريليون دينار للمعينين المتفرغين. وبذلك بلغ مجموع هذه البنود الأربعة نحو 86.89 تريليون دينار سنوياً.

اقتصادياً، تمثل هذه الكتلة ما يقارب 70‌% من إجمالي إيرادات الدولة البالغة 124.19 تريليون دينار، ونحو 73‌% من إجمالي النفقات الجارية البالغة 119.16 تريليون دينار، وهي أرقام تعكس بوضوح أن الجزء الأكبر من الموارد العامة يذهب إلى الإنفاق التشغيلي والاجتماعي الثابت قبل احتساب الإنفاق الاستثماري والخدمات والبنى التحتية.

الأهم أن هذه الأرقام تعود إلى فترة وُصفت بأنها "ظروف مالية طبيعية" نسبياً، أي قبل تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط المرتبطة بأسواق النفط والنقل البحري. وهذا يعني أن هامش المناورة المالية كان محدوداً حتى في أوقات الاستقرار النسبي، ما يجعل أي تعديل شامل وفوري لسلم الرواتب أكثر تعقيداً من الناحية التمويلية.

إذا كانت المالية العامة قد واجهت ضيقاً واضحاً حتى في ظروف الإيرادات الطبيعية خلال 2025، فإن تراجع الإيرادات الشهرية حالياً إلى نحو 4 تريليونات دينار تقريبا يضع الدولة أمام معادلة أكثر حساسية، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على إصلاح سلم الرواتب، بل أصبح يتعلق بقدرة المالية العامة على الحفاظ على استقرار الإنفاق التشغيلي نفسه.

خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت فاتورة الرواتب بشكل واضح، إذ انتقلت من مستويات تقارب 40 تريليون دينار إلى نحو 60.45 تريليون ضمن الموازنات الأخيرة. هذا النمو في الالتزامات لم يقابله نمو موازٍ في الإنتاج غير النفطي، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين حجم الدولة كـمستهلك وحجمها كـمنتج.

من هنا، يصبح طرح تعديل شامل وفوري لسلم الرواتب إشكالياة من الناحية التنفيذية، لأنه يفترض وجود فائض مالي غير متحقق. أي زيادة عامة في الرواتب في ظل العجز الحالي تعني أحد ثلاثة خيارات غير مرغوبة اقتصادياً: زيادة الاقتراض الداخلي، أو استنزاف الاحتياطي، أو الضغط على سعر الصرف والتضخم.

لكن في المقابل، لا يعني ذلك تجميد الملف، بل إعادة تعريفه. فالمشكلة الأساسية في بنية الأجور في العراق تكمن في التفاوتات الناتجة عن تعدد القوانين والمخصصات بين المؤسسات، حيث أصبحت بعض الامتيازات تمثل "رواتب موازية" تفوق الراتب الأساسي نفسه في بعض الحالات، ما خلق اختلالاً أفقياً داخل الجهاز الحكومي.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي لسلم الرواتب دون فتح ملف الامتيازات العليا والتعويضات الخاصة المرتبطة بالرئاسات الثلاث والدرجات العليا والمستشارين والحمايات. فاقتصادياً، أي دعوة إلى العدالة في الأجور تفقد جزءاً كبيراً من مصداقيتها إذا بقيت الفجوات الواسعة في الامتيازات والمخصصات قائمة خارج إطار الإصلاح. لذلك، فإن إعادة هيكلة كلفة الدولة يجب أن تبدأ من الأعلى قبل الأسفل، عبر مراجعة الامتيازات غير المرتبطة بالإنتاجية أو الضرورات الوظيفية، وتقليل الإنفاق على الحمايات والمخصصات والتعويضات الاستثنائية، ليس فقط لتخفيف الضغط المالي، بل أيضاً لإعادة بناء الثقة بفكرة العدالة داخل النظام الوظيفي نفسه.

عند النظر إلى تجارب الدول، يتضح أن مسألة الفوارق في الأجور تُدار عادة ضمن حدود واضحة، وليست مفتوحة بلا سقف.

في دول شمال أوروبا مثل السويد والنرويج والدنمارك، تُعتبر الفجوة بين أعلى وأدنى راتب منخفضة نسبياً، غالباً بين 6 إلى 10 أضعاف، وهو ما يعكس فلسفة تقوم على تقليص التفاوت الاجتماعي وتعزيز الاستقرار. هذه الدول لم تصل إلى هذه النتيجة عبر الزيادة، بل عبر ضبط صارم للهيكل الوظيفي والضرائب العالية على الدخول المرتفعة.

أما في دول مثل ألمانيا وفرنسا وكندا، فإن الفجوة تتراوح عادة بين 10 إلى 15 ضعفاً، لكن يتم ضبطها عبر نظام ضريبي تصاعدي قوي يقلل من الفوارق الصافية في الدخل، إضافة إلى رقابة صارمة على الأجور في القطاع العام.

أما في العراق، فقد ارتفعت الفجوة إلى 30 ضعف، خصوصاً عندما تتداخل المخصصات والامتيازات مع الرواتب الأساسية.الإشكالية في العراق ليست فقط في حجم الفجوة، بل في غياب معيار موحد لها. فجزء كبير من الاختلال لا يظهر في الراتب الأساسي، بل في المخصصات والامتيازات، ما يجعل المقارنة بين الوظائف داخل الدولة نفسها غير عادلة وغير شفافة.

من منظور اقتصادي واقعي، أي إصلاح لسلم الرواتب في العراق يجب أن يمر بثلاث مراحل مترابطة:

1. توحيد منظومة المخصصات بين المؤسسات الحكومية لتقليل الفجوات غير المبررة بين موظفين متشابهين وظيفياً، وإنهاء حالة "السلالم المتعددة" داخل الدولة الواحدة.

2. إعادة ضبط كلفة الدولة عبر مراجعة الامتيازات العليا غير المرتبطة بالإنتاجية، وتقليص الإنفاق على المخصصات الاستثنائية والحمايات والتعويضات الخاصة، بما يعيد قدراً من التوازن والعدالة داخل الهيكل الوظيفي.

3. حماية الشرائح ذات الدخل المحدود والمتوسط باعتبارها الأكثر تأثراً بالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، بدلاً من توجيه أي توسع مالي نحو الرواتب العليا والامتيازات.

4. ربط أي تعديل مستقبلي في الرواتب بمؤشرات الأداء والإنتاجية والإصلاح الإداري، حتى لا يتحول الإنفاق التشغيلي إلى عبء متضخم منفصل عن كفاءة الدولة.

5. الانتقال التدريجي نحو اقتصاد أكثر تنوعاً يقلل الاعتماد على النفط ويعزز الإيرادات غير النفطية، لأن أي إصلاح طويل الأمد في سلم الرواتب سيبقى هشاً ما دام الاقتصاد الريعي هو المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة.

أما فكرة التعديل الشامل والفوري للرواتب دون هذه المقدمات، فهي تظل غير قابلة للاستدامة مالياً، حتى وإن كانت عادلة من حيث المبدأ.

أن العدالة في الرواتب لا تتحقق عبر التوسع غير المدروس في الإنفاق، بل عبر ضبط الفوارق، وتوحيد القواعد، وربط الأجور بالإنتاجية والقدرة الاقتصادية للدولة. وفي الحالة العراقية، يبقى التحدي الحقيقي ليس "رفع الرواتب" فقط، بل بناء نظام أجور متماسك يمكن تمويله دون أن يتحول إلى عبء دائم على الاستقرار المالي والنقدي.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!