RSS
2026-05-20 11:49:19

ابحث في الموقع

جيوب مثقوبة وصنابير جافة: فواتير المياه الفلكية تعمق جراح العائلات البغدادية

جيوب مثقوبة وصنابير جافة: فواتير المياه الفلكية تعمق جراح العائلات البغدادية
بقلم: صادق الازرقي

يشكو العراقيون، بخاصة سكان بغداد من معاناتهم بسبب المبالغ الخيالية التي عليهم ان يسددونها للحكومة لقاء "خدمة" الماء، برغم عدم تواجد العدادات "المقاييس" في منازلهم وبرغم انقطاع الماء في اغلب الأوقات وعدم نظافته.  

وفي إجراء غريب وقع في العاصمة بغداد وردت "فاتورة" بصرفيات الماء إلى أحد المنازل في منطقة الأمين الثانية، جرى تسليمها عن طريق أحد الأشخاص، وقد كانت الفاتورة بمقدار مليوني دينار على أساس صرفيات الماء لأوقات ماضية، كما وردت فاتورة إلى عائلة أخرى مسجل فيها 250 ألف دينار للسبب نفسه. يحدث هذا برغم أن منزلي العائلتين لا يتواجد فيهما مثل كثير من بيوت العراقيين، جهاز عداد للماء "مقياس"، كما ان الماء في العادة لا يتواجد في كثير من البيوت على طول اليوم ولا يأتي الا في أوقات متأخرة من الليل، كما انه في كثير من الأحيان يأتي غير صاف ومخلوطا بماء آسن مشتركا مع مياه المجاري.

فكيف يصح ذلك وكيف جرى حساب كمية الماء المصروف للبيوت ضمن الوف المنازل التي لا تتواجد فيها عدادات، فضلا عن البيوت الأخرى المبنية "بالتجاوز" ولا تدفع في العادة أجورا للماء؟

إن ما يحدث هو انعكاس لأزمة إدارية وتنظيمية مزمنة في قطاع الخدمات العامة بالعراق، وتحديدا في أمانة بغداد ومديريات الماء، اذ يجري التعامل مع ملف الجباية بطرق تفتقر إلى المعايير الفنية والمهنية، وفي غياب العدادات (المقاييس)، تعتمد دوائر الماء نظاما للتقدير العشوائي وهو ليس مبنيا على الاستهلاك الحقيقي، بل على معايير غير دقيقة، منها، مساحة العقار اذ يجري فرض رسوم بناء على مساحة البيت المسجلة في سجلات الأمانة. وتختلف التقديرات بين المناطق من سكنية، وتجارية، أو عشوائية/تجاوز، اذ تفترض الدوائر أن استهلاك البيت في منطقة "راقية" أعلى من غيرها، ويجري تقدير مبلغ مقطوع شهريا يفترضون فيه تواجد عدد معين من الأفراد في المنزل حتى إذا كان المنزل فارغا، وهو تقدير اعتباطي لا يمت للواقع بصلة.

والتفاوت الكبير يشير إلى خلل في قاعدة البيانات وليس في كمية الماء المستهلك وغالبا ما تكون الفواتير الضخمة (مثل 2 مليون دينار) ناتجة عن تراكم ديون سابقة لم يقم الجابي بزيارة المنزل فيها، ويظهر ان تعليمات جديدة تطبق بـصدد حملة جباية لجمع المبالغ المتراكمة دفعة واحدة.

 والجباة يعتمدون في كثير من الأحيان على تقديرات بصرية أو تقديرات مبنية على "سمعة المنطقة" من دون معايير هندسية واضحة، مما يفتح الباب للمزاجية؛ وعندما تقرر الحكومة أو أمانة بغداد البدء بحملة جباية، فإنها تشمل جميع العقارات المسجلة في خرائطها، وربما حتى مناطق التجاوز التي دخلت ضمن مسوحات البلدية، وذلك لتحقيق أهداف الجباية المطلوبة من الدوائر.

إن وصول "فاتورة" مطبوعة أو مكتوبة يدويا وبمبالغ كبيرة من دون تواجد "عداد" هو إشعار مطالبة مالية وليس فاتورة استهلاك دقيقة، هذا الإجراء يفتقر إلى الشفافية، والمواطن في هذه الحالة هو الضحية لغياب مشروع "العدادات الذكية" الذي كان من المفترض أن ينهي هذه التقديرات الجزافية. إن مخاوف السكان التي نلمسها منطقية ومسوغة تماما، وتكشف عن فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسة الخدمية.

 في العلوم الإدارية والسياسات العامة، هناك قاعدة تقول، لا جباية من دون خدمة، ولا خدمة من دون قياس ومعايير، وعندما تخل الدولة بهذا التوازن، فإنها تحول الجباية من عملية تنظيمية إلى عبء مالي يراه المواطن كنوع من الجباية غير العادلة.

وتفضل المؤسسات الخدمية في العراق أحيانا الحلول السهلة أي الجباية المباشرة والمقطوعة، على الحلول التي تعدها صعبة وتخفق في تنفيذها مثل نصب العدادات، وصيانة الشبكات، وتقليل الهدر. وتعاني البلديات ودوائر الماء من ضغوط لتمويل نفقاتها التشغيلية بعد تراجع التخصيصات المركزية، فتجد في الجباية الجزافية وسيلة سريعة لتحصيل السيولة من دون استثمار حقيقي في البنية التحتية؛ والدولة حين تجد أن أسلوب الجباية التقديرية قد مر من دون اعتراض جماعي منظم ومؤثر، ستعتمده كنهج مستدام في القطاعات كافة.

في الدول ذات الإدارة الرشيدة، هناك عقد ضمني: أنا أدفع مقابل خدمة ذات جودة معلومة، وفي العراق يغيب هذا العقد، فمن دون عداد، لا تتواجد رقابة على كمية الماء المجهز، ما يعني أن الدولة تطلب أجرا على خدمة لا تضمن استمراريتها أو نظافتها.

 من الناحية الإدارية، المطالبة بأجور مرتفعة (مليوني دينار) من دون سند تقني (قراءة عداد) يعد إجراء إداريا باطلا، لأن الأصل هو الأجر مقابل العمل/الخدمة، فإذا كانت الخدمة غير مقاسة، فكيف حدد سعرها؟ وإذا طبق أسلوب الماء نفسه على الكهرباء مع استمرار أزمة التجهيز، فإننا أمام خطر حقيقي، وفي حال توجه الدولة لنصب العدادات الذكية، فقد تكون الأولوية للجباية وليس لتوفير الطاقة، والمواطن يخشى أن يدفع مقابل حقه في الكهرباء، وليس مقابل استهلاكه الفعلي.

ان الاعتماد على الجباية التقديرية يضر الطبقة الوسطى والفقيرة أكثر، لأنهم لا يمتلكون أدوات الضغط أو النفوذ التي تمنع الجباة من الوصول إليهم، على عكس المنشآت الكبرى أو الأحياء المحمية، ولا يعرف المواطن أين تذهب هذه الأموال؛ هل تستثمر في إصلاح الأنابيب المتآكلة وانشاء انابيب جديدة للمناطق المحرومة أم تذهب لتغطية عجز الرواتب؟ وان غياب "التقرير المالي" الذي يوضح للسكان: لقد دفعتم مبلغ "كذا" فقمنا بإصلاح "كذا" من الأنابيب، هو ما يجعل المواطن يرى الجباية كأنها أتاوة لا كخدمة.

إن نجاح أي عملية إصلاح إداري في العراق يتطلب تحولا من نظام الاستنزاف المالي إلى نظام الاستدامة، الذي يتضمن نصب العدادات كشرط قانوني.. يجب أن يصدر قرار يمنع بموجبه المطالبة بأي مبالغ تراكمية ما لم يجري نصب عداد مسبقا، ويجب التدرج في الجباية اي البدء بتقديم خدمة مستقرة، ثم جباية أجور رمزية، وصولا إلى استرداد التكلفة بعد تحسن الخدمة.

ومع الأسف لا تتواجد "اتحادات سكنية" أو "لجان أحياء" منظمة في تلك المناطق يمكن أن يشكل تحركها ضغطا قانونيا ناجحا لمنع الاستمرار في هذا النهج، فالفجوة بين المطالبة بالحقوق وبين تواجد آلية منظمة لانتزاعها، هي العقدة الكبرى في الإدارة المحلية بالعراق، وان غياب التنظيم المجتمعي مثل لجان الأحياء أو الروابط السكنية، يترك المواطن في مواجهة مباشرة ومختلة الموازين مع آلة إدارية بيروقراطية لا تخضع للمساءلة.

في غياب هذا التنظيم، تظل السلطات في منطقة "راحة"؛ فهي تمارس سياساتها (سواء الجباية أو غيرها) من دون مواجهة رأي عام محلي موحد، بل تواجه أفرادا متفرقين يمكن إقناعهم أو الضغط عليهم فرادى. يغيب التنظيم المجتمعي بفعل الاعتماد على الحلول الفردية من شراء مضخات مياه شخصية، وحفر آبار، واستئجار مولدات كهرباء، ما جعل الناس ينكفئون على حل مشكلاتهم في داخل جدران منازلهم بدلا من السعي لحل جماعي.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!